نظرية يونغ في التحليل النفسي - أسماء سعد الدين


نظرية يونغ في التحليل النفسي    -  أسماء سعد الدين


كارل غوستاف يونغ كان الطبيب النفسي السويسري والطبيب النفساني الذي أسس علم النفس التحليلي . وكان عمله ذا تأثيرا كبير ليس فقط في مجال الطب النفسي ولكن أيضا في الفلسفة ، الأنثروبولوجيا والآثار والأدب ، والدراسات الدينية . وكان كاتبا غزيرا، على الرغم من الكثير من أعماله التي لم تنشر حتى بعد وفاته .
خلق جونغ بعض المفاهيم النفسية ، بما في ذلك الأمثلة لـ اليونغي ، اللاوعي الجماعي ، والتحليل النفسي ، والانبساط والانطواء .
نظرية يونغ
وتستند نظرية يونغ من العصاب على الفرضية النفسية الذاتية للتنظيم الذي يتألف من التوترات بين المواقف المتعارضة من الأنا واللاوعي . والعصاب هو التوتر دون حل واضح بين هذه المواقف المتصارعة . كل عصاب هو فريد من نوعه ، مع أشياء مختلفة تعمل في قضايا مختلفة ، لذلك لا توجد طريقة علاجية يمكن تطبيقها بشكل تعسفي . ومع ذلك ، هناك مجموعة من القضايا التي تناولها جونغ بشكل خاص . وعلى الرغم من التعديل الجيد في الحياة اليومية ، فقد جاء الشعور بالوفاء من معنى الهدف ذاته . ويبدو أنه ليس هناك أي وسيلة جلية واضحة لوضع الأمور في نصابها . في هذه الحالات ، تحول جونغ من التواصل عن طريق الرموز المستمرة من اللاوعي في شكل الأحلام والرؤى .
هناك جانب كبير من نظرية يونغ العصاب في كيفية اختلاف الأعراض من النوع النفسي . التسلسل الهرمي للوظائف النفسية له تمييزا يعطي كل فرد الإحساس السائد ، والحدس ، والشعور ، أو التفكير إما مع موقف انفتاحي على الخارج أو انطوئي . ويظهر الجانب المهيمن تحت السيطرة في الأنا ، مما يخلق مظاهر نموذجية من البصيرة غير الواضحة ، والسلوك الذي يصاحب الوظيفة المتطرفة لتحيز العصاب .
وجهة النظر الديناميكية النفسية في علم النفس ، تقترح أن هناك قوى نفسية كامنة وراء السلوك الإنساني والمشاعر والعواطف . الديناميكا النفسية أوضحتها سيغموند فرويد في أواخر القرن ال19 ، والتي أقترحت أن العمليات النفسية هي التدفقات للطاقة النفسية (الشهوة الجنسية) في الدماغ . وردا على النهج الاختزالي لحركات علم النفس البيولوجية والهيكلية ، والوظيفية ، لوجهة النظر الديناميكية النفسية والتي تمثل التأرجح نحو العودة الى مفاهيم أكثر شمولية ، والنظامية ، والمجردة وذات التأثير الكبير على السلوكيات والتصرفات الملموسة .
علم النفس التحليلي
علم النفس التحليلي ويسمى أيضا بـ علم النفس اليونغي ، وهي مدرسة العلاج النفسي التي نشأت في أفكار كارل يونغ ، وهو الطبيب النفسي السويسري . والذي يشدد على أهمية الحالة النفسية الفردية والسعي الشخصي نحو الكمال .
علم النفس التحليلي هو العلم الواضح من التحليل النفسي ، وهو نظام العلاج النفسي التي أنشأته سيغموند فرويد .
المفاهيم الهامة في نظام جونغ هي التميز ، والرموز ، وفاقد الوعي الشخصي ، واللاوعي الجماعي ، والمجمعات ، والشخصية ، والهوية ، والأنا ، والأنا الفائقة ، والظل ، والذات .
وقد تم التحقيق نظريات يونغ التي وضعت من قبل توني وولف ، ماري-لويز فون فرانز ،إريك نيومان ، جيمس هيلمان ، وانطوني ستيفنز .
نظرة عامة
وضع جونغ النهج التأسيسي لدراسة العقل البشري . بدأ جونغ مهنته كطبيب نفسي في زيوريخ ، سويسرا . وهناك ، أجرى أبحاثا ، مما أكسب يونغ سمعة جيدة في جميع أنحاء العالم وحصل على العديد من الأوسمة ، بما في ذلك الدرجة الفخرية من جامعة كلارك ، ماساشوستس ، في عام 1904 . وحصل على الشهادة الفخرية الأخرى من جامعة هارفارد في عام 1936 ، بإعتراف جامعة أكسفورد وجامعة كلكتا . وتم تعيينه زميل الجمعية الملكية للطب في إنجلترا .
وخلافا لمعظم علماء النفس الحديث ، لم يعتقد جونغ في أن التجارب باستخدام العلوم الطبيعية بإعتبارها الوسيلة الوحيدة لفهم النفس البشرية . ورأى الأدلة التجريبية لعالم الحلم ، الأسطورة والفلكلور باعتباره الطريق الواعد للفهم الأعمق . ويرتبط اختيار هذه الطريقة مع اختياره الموضوع لعلمه . وبالتالي ، فإن اللاوعي هم “المنبوذين” من الأبحاث التجريبية ، أو في الواقع هم نوع ممكن من المتناول العلمي أو الفلسفي ، على وجه التحديد لأنه فاقد الوعي .
على الرغم من أن اللاوعي لا يمكن دراسته باستخدام نهج مباشر ، إلا أن ليونغ لم يفترض نفس النهج لـ فاقدي الوعي عن النموذج الذي اقترحه فرويد ، على الرغم من التأثير الكبير لمؤسس التحليل النفسي الذي كان على يونغ . الفرق الأكثر شهرة فيما بينهما هو الافتراض من اللاوعي الجماعي ، على الرغم من اقتراح يونج من اللاوعي الجماعي والأمثلة التي كانت تقوم على افتراض وجود أنماط نفسية (عقلية) . وتشمل هذه الأنماط لمحتويات الأفكار الواعية ، والذكريات ، وما إلى ذلك من تجربة الحياة . وهي الأمور الشائعة لجميع البشر .
الهدف العام المتمثل في علم النفس اليونغي هو تحقيق الذات من خلال التميز . تعرف يونغ على “الأنا” ب “النموذج الأصلي من الكمال ومركز التنظيم من النفس .” وسط هذه العملية هو لقاء الفرد مع روحه أو روحها وإحالة عناصرها في الوعي .
والهدف من العلاج النفسي هو مساعدة الفرد في اعادة العلاقة الصحية لـ اللاوعي أو من بث التوازن في العلاقة لأنها كما هو الحال مع العصاب ، واضطرابات القلق ، والشخصية .

الوجودية في الأدب العربي بقلم: د. نجيب روفا سفري


من الأسئلة الأولى إلى تيار النهضة الحديثة
الوجودية في الأدب العربي  بقلم: د. نجيب روفا سفري

حين تُذكر الوجودية يتجه الذهن مباشرة إلى الفلسفة الأوروبية الحديثة وأسماء مثل كيركغارد ونيتشه وسارتر وكامو، غير أن الأسئلة الوجودية نفسها أقدم من أي مذهب فلسفي. فالإنسان منذ وعى ذاته وقف أمام الأسئلة الكبرى: من أنا؟ من أين جئت؟ لماذا أعيش؟ وإلى أين أمضي؟ وما معنى الموت والحياة والحرية؟ وهذه الأسئلة لم تكن غريبة عن الأدب العربي في أي عصر من عصوره، وإن لم تتخذ صورة مذهب فلسفي متكامل كما حدث في أوروبا الحديثة.
فالوجودية في الأدب العربي لم تكن غرضاً مستقلاً من أغراض الشعر، كما كان المدح أو الهجاء أو الرثاء أو الغزل، لكنها حضرت على هيئة تأملات متناثرة وحِكَم وأسئلة عابرة داخل القصيدة العربية منذ بداياتها الأولى.
البدايات الوجودية في الشعر الجاهلي
كان الشاعر الجاهلي يعيش في بيئة قاسية، يرى الموت يومياً، ويشاهد تقلبات الزمن، لذلك لم يخلُ شعره من التأمل في المصير الإنساني.
يقف زهير بن أبي سلمى أمام الزمن وقفة المتأمل الحكيم حين يقول:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
فهو لا يصف الموت فحسب، بل يتساءل ضمناً عن عدالة المصير الإنساني وغموضه.
أما طرفة بن العبد فقد امتلأ شعره بشعور حاد بقصر الحياة وسرعة انقضائها، حتى بدا وكأنه يعيش قلقاً وجودياً مبكراً يدفعه إلى التمتع بالحياة قبل أفولها.
وفي المعلقات وسائر الشعر الجاهلي نجد حضوراً واضحاً لثلاثة موضوعات وجودية كبرى:
مواجهة الموت.
الصراع مع الزمن.
البحث عن معنى البقاء في عالم متغير.
الوجودية في صدر الإسلام والعصر الأموي
مع ظهور الإسلام اكتسبت الأسئلة الوجودية أفقاً جديداً. فقد قدم الدين إجابات عقدية واضحة حول الخلق والمصير والبعث، فخفّ حضور القلق الوجودي بمعناه الفلسفي، لكنه لم يختفِ.
أصبح التأمل في الحياة والموت مرتبطاً بفكرة الحساب والآخرة، وظهرت أشعار الزهد التي تذكر الإنسان بفنائه.
وفي العصر الأموي برز شعراء مثل الفرزدق وجرير والأخطل في أغراضهم التقليدية، لكن بعض النصوص حملت تأملات عميقة في تقلّب الأيام وغدر الزمن، وهي موضوعات تلامس الفكر الوجودي دون أن تتحول إلى فلسفة مستقلة.
العصر العباسي واتساع الأفق الفكري
شهد العصر العباسي نهضة علمية وفكرية هائلة نتيجة الترجمة والاحتكاك بالفلسفات اليونانية والفارسية والهندية.
في هذا العصر أصبحت الأسئلة المتعلقة بالنفس والعقل والروح أكثر حضوراً في الأدب.
وقد ظهر شعراء ومفكرون اقتربوا من التأمل الوجودي، ومن أبرزهم:
أبو العتاهية
الذي جعل الموت محوراً أساسياً في كثير من قصائده، وكان ينظر إلى الحياة بوصفها رحلة قصيرة نحو المصير المحتوم.
المتنبي
رغم أن شعره يقوم على البطولة والفردية والطموح، فإن كثيراً من أبياته تحمل رؤية فلسفية للإنسان ومكانه في الكون، ومنها تأملاته في القدر والزمان والوجود الإنساني.
أبو العلاء المعري: الذروة الوجودية المبكرة
إذا أردنا البحث عن أقرب شخصية عربية قديمة إلى الحس الوجودي، فإن أبا العلاء المعري يتصدر المشهد بلا منازع.
لقد جعل المعري الإنسان محور تأمله الفلسفي، وأثار أسئلة جريئة حول الحياة والموت والعقل والدين والمعرفة.
في "اللزوميات" نجد شعوراً عميقاً بالغربة الكونية والشك والحيرة والتأمل في مصير الإنسان.
ومن أشهر أبياته:
غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي
نوحُ باكٍ ولا ترنمُ شادِ
فهو لا يهاجم الحياة بقدر ما يعبّر عن رؤية فلسفية متشائمة تتساءل عن جدوى الوجود نفسه.
ولهذا يعده كثير من الباحثين أحد أهم الإرهاصات الوجودية في التراث العربي.
التصوف والوجود
في القرون اللاحقة ظهرت تجربة أخرى مختلفة، هي التجربة الصوفية.
فالحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم لم ينشغلوا بسؤال الوجود من زاوية القلق والعبث، بل من زاوية الاتحاد بالمطلق والبحث عن الحقيقة الكبرى.
لقد حاول المتصوفة تجاوز حدود الذات الفردية للوصول إلى معنى أعمق للوجود، مما منح الأدب العربي بعداً وجودياً روحياً فريداً.
عصر النهضة العربية وبداية الوجودية الحديثة
مع القرن التاسع عشر بدأت النهضة العربية الحديثة، وازداد الاحتكاك بالفكر الأوروبي.
وترجمت الأعمال الفلسفية والأدبية الغربية إلى العربية، فتعرّف المثقفون العرب إلى التيارات الفكرية الحديثة، ومنها الوجودية.
في هذه المرحلة انتقلت الأسئلة الوجودية من كونها تأملات فردية متناثرة إلى موضوع فكري وأدبي واضح المعالم.
وقد ساعدت عدة عوامل على ذلك:
الاحتكاك بالثقافة الأوروبية.
التحولات السياسية الكبرى.
الاستعمار والصراع الحضاري.
الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
الشعور بالاغتراب في المدن الحديثة.
الوجودية في الشعر العربي المعاصر
بلغت الوجودية العربية ذروتها في القرن العشرين، خاصة بعد الحربين العالميتين وما خلفتاه من شعور بالعبث والضياع.
فأصبح الشاعر العربي يواجه أسئلة الحرية والقلق والوحدة والموت بصورة أكثر مباشرة.
ومن أبرز الشعراء الذين ظهرت في أعمالهم ملامح وجودية:
بدر شاكر السياب
حيث امتزج الشعور الفردي بالألم الإنساني العام.
عبد الوهاب البياتي
الذي جعل الإنسان المنفي والمغترب محوراً لكثير من أعماله.
أدونيس
الذي أعاد طرح أسئلة الهوية والحرية والوجود بلغة شعرية وفلسفية معقدة.
محمود درويش
الذي تجاوز البعد الوطني إلى أسئلة أعمق تتعلق بالحياة والموت والذاكرة والهوية الإنسانية.
الوجودية في الرواية العربية
لم تقتصر الوجودية على الشعر.
فقد ظهرت بقوة في الرواية العربية الحديثة لدى:
نجيب محفوظ.
سهيل إدريس.
عبد الرحمن منيف.
جبرا إبراهيم جبرا.
الطيب صالح.
حيث برزت شخصيات قلقة تبحث عن معنى الحياة وسط عالم متغير ومضطرب.
الوجودية العربية بين التأثر والإبداع
من الخطأ اعتبار الوجودية العربية مجرد تقليد للفكر الأوروبي.
فالأسئلة الوجودية صاحبت الإنسان العربي منذ الجاهلية، لكنها كانت مبعثرة داخل الحكم والتأملات الدينية والفلسفية والصوفية.
أما العصر الحديث فقد منحها إطاراً نظرياً أكثر وضوحاً تحت تأثير الفلسفة الغربية.
ولهذا يمكن القول إن الوجودية العربية ليست استيراداً كاملاً، بل هي امتداد لأسئلة قديمة لبست ثوباً جديداً.
خاتمة
إن تاريخ الأدب العربي يكشف أن سؤال الوجود لم يكن غائباً في أي عصر من عصوره. فمن وقوف الشاعر الجاهلي أمام الموت، إلى تأملات أبي العلاء المعري، إلى التجارب الصوفية، ثم إلى الشعر والرواية الحديثة، ظل الإنسان العربي يفتش عن معنى وجوده في هذا الكون.
لقد تغيرت الأجوبة بتغير العصور، لكن الأسئلة بقيت هي نفسها: من أنا؟ لماذا جئت؟ ماذا أصنع في هذا العالم؟ وإلى أين أمضي؟
وتلك هي الأسئلة التي جعلت الوجودية، بمختلف صورها، خيطاً خفياً يمتد في نسيج الأدب العربي من المعلقات الأولى إلى قصائد اليوم.

طاغور وفلسفته في الحب والجمال -عرفان أحمد

 

طاغور وفلسفته في الحب والجمال   -عرفان أحمد

لا يستطيع احد ان ينسي الشاعر الحكيم رابندرنات طاغور وخاصة فلسفته في الحب و الجمال لأن كليهما عنصران رئيسيان في حياة الإنسان ويلعبان دورا بارزا في تثقيفه وتنويره. و فلسفة طاغور كلها تدورحول الحب والجمال، اللذين يعانقان الوجود كله، وجود العالم في الإنسان ووجود الإنسان في العالم، إذ يصبح الحب البشري معبرا عن الحب الإلهي. فالحب هو المعنى الأسمى لكل ما يحيط بنا، فإن كان نور الشمس يفتح باب الكون فإن نور الحب يفتح كنوز العالم ولذلك علينا أن نحب لكي نعمل وعلينا أن نعمل لكي نحب. فالإيمان بالحب لا يزعزع الانسان ما قد يجلبه الحب من جراح وآلام، لأن الحب هو بداية المعرفة، كما أن النار هي بداية النور.. وحب طاغور يتجه إلى الإنسان والحيوان والنبات والطبيعة والحياة والموت وكل الاشياء المتعلقة بالجمال، جوهرالحب البراءة والبساطة اللتان تجعلان الطيور وأوراق الشجر قريبتين من قلبه قربهما من قلوب الأطفال. وهو حب إلهي وإنساني معا، في حين يتجلي المستشرف الأعلى في الإنسان، فالإنسان يتحلي قداسته.. وهنا تحمل كلمة (طاغور) الأخيرة معنى الصوفي، إذ هو يقول (أبدأ رحلتي صفر اليدين، ولكن بقلب مفعم بالرجاء، فأنا على يقين أني سأحب الموت كما أحببت الحياة.

لا شك في ان طاغور عاش كل حياته مؤمنا بالانسان والحب والجمال، وكرس كل جهده ونشاطه الفكري لخير الانسان وانتج فكره النير كل القيم من اجل الانسانية. وخير دليل على ذلك ما نقرأه في رسالته الاخيرة حيث يقول فيها "مهما يكن من شيء فاني لن ارتكب الخطيئة الخطيرة: خطيئة فقدان الايمان بالانسان او الاذعان للهزيمة التي حاقت بنا في الوقت الحاضر على اعتبارها نهائية وحاسمة، بل سأظل اتطلع بأمل الى تحول في مجرى التاريخ بعد ان تزول هذه الغمة الجاثمة، وتصفو السماء ثانية وتهدأ، وربما بزغ الفجر الجديد من افقنا هذا، افق الشرق، حيث تشرق الشمس. وعندئذ تهب روح الانسان التي تهزم لتقوده من جديد الى طريقه، طريق التقدم رغم كل العو ائق، ليسترد تراثه الضائع".
بمناسبة يوم ميلاد هذا الشاعر العظيم النبيل وفيلسوف الهند و المؤمن بالانسان والحب والجمال تقام المهرجانات. فالهند لاتحتفل كل عام وحدها بذكرى ميلاد شاعرها العظيم فحسب، بل العالم الانساني كله يشاركها في هذه الاحتفالية الادبية ففي مصر والولايات المتحدة الامريكية والمانيا وروسيا واليابان وبريطانيا وفرنسا يحتفل عيد ميلاد طاغور العظيم ونقدم على مسارحها تمثيلاته الرائعة. كان طاغور يستمد الهامه من الطبيعة. وذالك لانه احب الطبيعة والتصق بالانسانية والحب والجمال.
عاش طاغور انبل ما يعيش الانسان، وفاضت قريحته باروع ما انتجته قريحة شاعر مبدع فنان وفيلسوف عظيم. فطاغور النبيل ينحدر من اسرة بنغالية عريقة في النبل والقدم حيث كان جده الامير "دوار كانات" القديس العظيم من كبار الادباء ورواد الثقافة والفنون. ونشأ طاغور الطفل والشاب في ما بعد في جو منزلي يموج بالموسيقى والشعر هائما لاتقيده قيود، فأبى ان يدخل المدرسة في حداثته، فاضطر والده الى استقدام معلم ليدرسه في البيت. نعود الى نشأة الشاعر العظيم حيث عاش في كلكتا فكانت الطبيعة مصدر الهامه. ففي السابعة من عمره فقد امه. فبكاها وكتب في رثائها اروع اشعاره قائلا:
"سأنظم بدموع الامي عقودا ومن الدر ازين بها عنقك يا امي. وحزني سيبقى لي وحدي لقد انطفأ المصباح الذي كان ينيرظلماتي ويقول طاغور في صدر شبابه: سأحطم الحجر وانفذ خلال الصخور وافيض على الارض واملأها نغما سأنتقل من قمة الى قمة ومن تل الى تل واغوص في واد وواد واضحك بملء صدري واجعل الزمن يسير في ركابي".
كتب طاغور للعالم كله ونشر فيضا من دواوينه الشعرية وقصصه ومسرحياته. وقد توالت عليه المآسي والمصائب وخاصة بعد فقدان زوجته التي احبها حبا لاحدود له، وذلك سنة 1902 وإثر ذالك فجع بابنته الكبرى سنة 1904 ووالده سنة 1905 وابنه الصغير سنة 1907. لكنه لم يضعف ولم يهن فمضى في طريق المجد قائلا: ان عاصفة الموت التي اجتاحت داري، وقصفت ابنائي كانت علي نعمة ورجمة. لقد جعلتني احس بنقصي، فدفعتني لطلب الكمال، والهمتني ان العالم لايفتقد ما يضيع منه.
بعد قراءة ومتابعة مؤلفاته: الطيور الشاردة، وشنزوشيا في الحب وغيرها ادركنا ان طاغورهو الحكيم هو رائع وشامخ وعظيم. ولدى مطالعة اشعاره نرى انه يستمد الالهام من المرأة فهو يقول:
"ايتها المرأة انت لست من صنع الخالق وحده بل انت ياعروس الازمان فن الرجال."
لم يعش طاغور في الهند حياته كلها بل زار معظم ارجاء العالم. فكان يقابل اين ما حل بالترحاب والتقدير فيشرح فلسفته القائمة على الحب و الجمال و الوئام والتفاهم بين ابناء البشرية جميعا، ومن اجل كل هذا منح طاغور العظيم عام 1914 جائزة نوبل للادب.. كتب طاغور الشاعر الفيلسوف اكثر من الف قصيدة واكثر من الفي اغنية كما كتب عددا كبيرا من القصص القصيرة والطويلة والمسرحيات. فكان يعشق الموسيقى والرسم. وفي العام 1941 اشتد عليه المرض ومات في شهر آب لكنه ظل خالداً.
لا شك في ان طاغور سيظل بشعره وفلسفته يعيش في عالمنا الكبير. ونحن نحمل ذكراه في قلوبنا ونردد ابياته قائلين: ايتها البشرية العريقة هبي للعالم مثل طاغور فليصيح الناس ويهتفوا للاخاء والسلام والحرية وليرفعوا راية الايمان لرفعة الانسان وحبه لاخيه الانسان.3
كان طاغور يتمتع بموهبة تحويل الألم إلى فرح. وكان يحب الحياة إلى حد أنه أراد ألا يضيع قداستها بالوقوف عند ما تسببه حركتها من شعور بالألم. كانت مهمته مزدوجة: اكتشاف ربه، إله الجمال، في الطبيعة والجسد والفكر والقول والفعل، وتحويل الحياة وتعديلها لتصبح جميلة بكليتها. كتب في الـسادهانا ("تحقيق الحياة")
"أين يمكنني أن ألقاك، إن لم يكن هذااللقاء في بيتي الذي أصبح بيتك؟ وأين يمكنني الانضمام إليك، إن لم يكن في عملي الذي صار عملك؟ إذا غادرت بيتي لن أبلغ بيتك… إذا قعدت عن عملي محال عليّ أن أنضم إليك في عملك؛ إذ إنك تقيم فيّ وأنا فيك".
لقد انعكست روحه هذه على مركز تربيته وتثقيفه الشهير" شانتي نيكيتان" (أو "مرفأ السلام") الذي أسسه عام 1901، وسرعان ماأصبح بؤرة ديناميّة خلاقة لهذا الجمال، حيث تفتح فيه الشعر والرسم والموسيقى والرقص والمسرح والعلوم. لقد حقق طاغور من خلال هذه المدرسة الرؤيا التي عبر عنها في مؤلفه "الوحدة المبدعة"، حيث تعطي الطبيعة للإنسان معنى التوق إلى اللانهائي. فالإنسان في الطبيعة إنسان حرّ، "ليس في اعتبار الطبيعة كمصدر لتأمين معيشته، بل كينبوع لتحقيق انجذابات روحه إلى ما هو أبعد منه هو نفسه."
لقد فجّرت المعاني السامية للمحبة والجمال في ديوانه جيتنجالي الذي عبر فيه عن أمل جديد للإنسانية وهي غارقة في الحرب العالمية الأولى. وعندما كان طاغور يرتقب الموت مريضاً ببصيرة صافية كانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت، فأعلن في يوم مولده الثمانين.
عندما أجول بصري من حولي، أقع على أطلال مدنية مغرورة تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث. ومع ذلك فلن أذعن للخطيئة المميتة في فقدان الإيمان بالإنسان؛ بل إنني بالحري سأثبِّت نظري نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه، عندما تنتهي الكارثة ويعود المناخ رائقاً ومتناغماً مع روح الخدمة والتضحية سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان ذلك الكائن الأبيّ فخطّ مسيرته الظافرة على الرغم من كافة العراقيل، ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.
كانت فلسفة طاغور فلسفة الحب والجمال والأمل والثقة بالإنسان، المبنية على تفتح روحه، وتطور وعيه، وتحقيق طاقاته. ولهذا فقد ارتبطت المثالية الإنسانية عند طاغور بالعمل والتطبيق، وكان هو نفسه مثالاً لكل مبدأ أعلنه أو فكرة نادى بها.
إن "جيتانجالي" أو القربان الشعري و "جورا روية" و"كتب البريد في المسرحية" هي من اهم اعماله التي تعكس فلسفته في الحب والجمال والبشرية.
المرأة في ضوء فلسفة طاغور/ تبدو كما يلي:
هي الوحي في فكر العقول تهفو..
هي الزهر في روض الغرام تنمو..
هي الطير في جو الهيام تعلو..
هي النجم في لثام الحب تبدو..
هي القمر في ظلام الليل تزهو..
هي الشمس في فضاء الكون تسمو..
هي السعادة في سماء الحب ترنو..
هي الروح في أجواء العواطف تجثو..
هي الجمال في معاني الحنان تشدو..
هي الفتنة في ألوان الجاذبية تغدو..
هي الحب في قضايا العشاق تشكو..
هي قبلات في ليالي الربيع تحلو..
ذات مرة سئل عنه رأيه في المرأة فبدأ يقول:
أعتقد أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق المرأة إلا بعد أن جمع ما جمعه من الطبيعة فأخذ من"
القمر... استدارته
ومن النجوم... لمعانها
ومن الشمس... وهجها
ومن الغيوم... دموعها
ومن الرياح... تقلبها
ومن البحر... عمقه وغدره
ومن النهر... هدوءه
ومن العاصفة... عنفها
ومن الأمواج... مدها وجزرها
ومن الندى... رطوبته
ومن النسيم... رقته ورخاءه
ومن العشب... اهتزازه
ومن الورق... خفته
ومن الأغصان... تمايلها
ومن الورد... لونه وعطره و.... شوكه
ومن الجوهر... صلابته
ومن الذهب... لمعانه
ومن العسل... شهده وحلاوته
ومن العلقم... مرارته
ومن المها... عيونها
ومن الأرنب... حياءه وخجله
ومن الطاووس... خيلاءه وزهوه
ومن الظبي... نظرته
ومن الغزال... رشاقته
ومن النمر... شراسته
وجمع الخالق كل هذه العناصر في بوتقة واحدة فخرجت المرأة
وأهداها للرجل لتكون رفيقة دربه وشريكة حياته في أفراحه وأحزانه
لكن الرجل عاد إلى ربه بعد فترة و شكره على هديته وقال له
ياربي إن المرأة كثيرة المطالب والمصاعب....
ومرها أكثر من حلوها...
فأبعدها عني
فاستجاب الخالق له
ولكن بعد أسبوع عاد الرجل ليناجي ربه قائلاً:
رباه إن حياتي أصبحت موحشة... أشعر أنني في منفى
رحماك ربي...
أعد إلي المرأة لأنها
نور حياتي... ومؤنسة وحشتي... وزهرة أيامي
وأيقنت الآن أنا لولا المرأة لكانت الحياة صحراء مقفرة
فعلي الرجل ان يحافظ جيداً على هدية الخالق هذه إليه وأمانته التي استودعها عنده.
ويحملها بحلوها ومرها... بوردها وشوكها
فهو الصدر الحنون
والأب المتفهم
والأخ القريب
وان يتأكد... إن فقد ها في يوم من الأيام فسيفقد معها السعادة.
قدم طاغور للتراث الإنساني أكثر من ألف قصيدة شعرية، وحوالي 25 مسرحية بين طويلة وقصيرة وثماني مجلدات قصصية وثماني روايات، إضافة إلى عشرات الكتب والمقالات والمحاضرات في الفلسفة والدين والتربية والسياسة والقضايا الاجتماعية، وإلى جانب الأدب اتجهت عبقرية طاغور إلى الرسم، الذي احترفه في سن متأخر نسبيا، حيث أنتج آلاف اللوحات، كما كانت له صولات إبداعية في الموسيقى، وقام بتحديد أكثر من ألفي أغنية، اثنتان منها أصبحتا النشيد الوطني للهند وبنجلاديش، ولكن معظم انتاجات طاغور كانت تتمحور حول شيء واحد هو الحب حيث يقول:
"لقد جاء الحب.. وذهب
وترك الباب مفتوحاً...
ولكنه قال انه لن يعود
لم اعد أنتظر إلا ضيفاً واحداً
انتظره في سكون
سيأتي هذا الضيف يوماً
ليطفئ المصباح الباقي..
ويأخذه في عربته المطهمة
بعيداً.. بعيدا..
في طريق لا بيوت فيه ولا أكواخ"6
عاش طاغور طول حياته في ضوء هذه الفلسفة التي تتعلق بالحب والجمال واخلد فلسفته بعد مماته ايضا ولا يزال العالم يتمتع ويتلذذ بمنتجاته الزاخرة بهذه الفلسفة.

توجيهات حول كتابة رواية - جوزيف كونراد ترجمة: ميادة خليل

توجيهات حول كتابة رواية جوزيف كونراد   ترجمة: ميادة خليل

"لم أقرأ كتب هذا الكاتب، ولو قرأتها لنسيت عمّا تدور حوله"
ورد أن هذه العبارة قد تم النطق بها بيننا منذ وقت ليس طويل، علنًا، في المحكمة، ومن قبل قاض مدني. تحظى عبارات حكّامنا المحليّين بالإجلال والاهتمام بقدر أكبر عن سائر البشر. ذاك أن حكّامنا المحليّين يمثلون أكثر من أي فئة أخرى من المحافظين والمدراء مقياسًا لمتوسط الحكمة، والمزاجية والإحساس والفضيلة في المجتمع. ولابد أن هذه العبارة العامة التي قيلت بحزم لصالح العدالة الأبدية (ولصالح صداقة حديثة العهد) لا تسري على الولايات المتحدة الأمريكية، فهناك؛ في حال صَدّق المرء السخط البائس طويل الأمد في صحافتها الأسبوعية واليومية، يظهر أن غالبية الحكّام المحليين لصوص من نوع خاص متعذر السيطرة عليهم. إلا أن هذه نقطة جانبية في الموضوع. ما يقلقني هو أن هذه العبارة قد صدرت من قبل جماعة ثرية وجليلة ذات طبيعة وسطيّة وحكمة وسطيّة، ونطق بها جليًا حاكم مدني دون خوف ودون لوم.
أُقرّ أن مزاجه ذا الطابع المتحرز قد سرّني؛ "لم أقرأ الكتب" ثم يضيف مباشرة بالقول: "ولو قرأتها لنسيتها"؛ إنه تحذير متقن. ولقد أحببت أسلوبه غير المصطنع المنطوي على سمة من الصدق الرجوليّ. وكمثل قراءة نص نثري، فإن من السهل قراءة هذا التصريح وليس من الصعب تصديقه. ذاك أن الكثير من الكتب لم تُقرأ، والأكثر منها قد تم نسيانه. وكونه نص خطابي مدني فإن هذا التصريح مؤثر على نحو مدهش. معّد بدقة ليتوافق مع قدرة الفكر الرائج، وضليع بكل شكل من أشكال النسيان. تتضمن هذه العبارة أيضًا القدرة على تأجيج انفعال أَريب فيما تُشغّل سلسلة من الأفكار؛ وأي قوة أعظم يمكن توقعها من الخطاب البشري؟ لكن من الطبيعي أن يكون هذا التصريح مبهج للغاية، لأن من الطبيعي أن ينسى مسؤول محلي جليل الكتب التي قرأها ربما فيما مضى ـ منذ فترة طويلة ـ في عهد شبابه الطائش.
والكتب المعنية في التصريح هي روايات، أو كُتبت على أنها روايات. لذا أواصل الحديث حذرًا (أسوة بمثالي معرض الحديث) ولكي أتجنب الخوف ورغبة مني في الاستمرار دون لوم قدر المستطاع؛ أعترف بأني لم أقرأ هذه الكتب.
لم أقرأها؛ ومن بين مليون شخص أو أكثر صرحّوا قراءتهم لها، لم ألتقِ حتى الآن شخصًا واحدًا موهوب في تقديم شرح واضح ومفهوم ومتطور كفاية ليمنحني فكرة متصلة بالموضوع الذي تدور حوله الكتب. لكنها كتب؛ جزء لا يتجزأ من الإنسانية، ونظرًا لجمهورها المتباري والمتزايد، فإنها تستحق الاحترام والإعجاب والتعاطف.
التعاطف على وجه الخصوص؛ فقد قيل قديمًا أن للكتب مصيرها الخاص الذي يشبه إلى حد كبير مصير الإنسان. إذ تشاطرنا الكتب شكنا العارم بالعار أو المجد؛ العدالة المتزمتة والاضطهاد النزق، الافتراء وسوء الفهم، والخجل من نجاح غير مستحق. الكتب هي الأقرب إلينا من بين جميع الجمادات، ومن بين جميع الإبداعات البشرية، لأنها تحوي بين طياتها فكرنا وطموحاتنا وسخطنا وأوهامنا، ولاءنا للحقيقة، وميلنا الدائب إلى الخطيئة. لكن الأهم من كل ما ذُكر هو تشابهها معنا في كونها لا تحكم قبضتها على الحياة. فالجسر الذي بُني وفقًا لقواعد الفن المتعلق ببناء الجسور هو بلا ريب نتيجة سيرة طويلة ومشرّفة ونافعة. إلا أن الكتاب الجيد مثله مثل الجسر؛ قد يهلك على نحو مبهم في يوم ولادته؛ لأن أسلوب مبدعه لم يكن كافيًا لمنحه حياة أطول. والكتب التي تولد من ضجر وإلهام وخيلاء عقول البشر؛ تلك الكتب التي تفضلها آلهة الإلهام أحرى بها أن تظل مهددة أكثر من غيرها تحت وطأة موت مبكر. ستنقذهم عيوبها أحيانًا. وأحيانًا أخرى قد يُعد الكتاب "المقبول" ــ ها أنا استخدم تعبيرًا متغطرسًا ــ كتابًا لا يتمتع بروح فريدة. فمن الواضح أن كتابًا من هذا النوع لا يمكن أن يموت؛ عدا أن يتفتت إلى غبار. إلا أن أفضل الكتب هي تلك التي تستمد قُوُتها (أسباب عيشها) من عطف وذاكرة البشر الذين عاشوا على شفى الهاوية؛ لأن ذاكرة البشر قصيرة، وعطفهم ــ علينا الاعتراف بذلك ــ إحساس متقلب ومجرد من الأخلاق.
لا يمكن العثور على سر لنيل الحياة الأبدية لكتبنا بين وصفات الإبداع، ولا لأجسادنا بين مجموعة أدوية موصوفة. ليس ذاك لأن بعض الكتب لا تستحق حياة أبدية، بل لأن وصفات الإبداع تعتمد على عوامل متغيّرة وغير مستقرة وغير جديرة بالثقة؛ إنها تعتمد على عطف البشر، وعلى الأحكام المسبقة، وعلى الحب والكراهية، وعلى شعور الفضيلة وشعور الانضباط، وعلى المعتقدات والنظريات الغير قابلة للفناء في حد ذاتها ودائمًا ما تغيّر من شكلها وغالبًا على مدى حياة جيل واحد عابر.
من بين جميع الكتاب فإن الروايات التي لابد أن آلهة الإلهام تعشقها، دافعت دفاعًا جادًا عن أحاسيسنا. فحرفة الروائي بسيطة، إلا أنها في الوقت نفسه الأكثر تمويهًا من بين جميع الفنون الإبداعية، والأكثر عرضة للتعتيم بسبب وساوس مؤلفيها والمعجبين بها؛ إنه القدر الأسمى المكتوب لجلب الشقاء إلى عقل وقلب الفنان. كما أن إبداع عالم ليس بالمهمة البسيطة، ما عدا ربما لمن يتمتع بموهبة إلهية. وفي الحقيقة، يجب على كل روائي البدء في ابتداع عالم خاص به، معقد أو بسيط؛ عالم يستطيع أن يصدقه هو بكل أمانة. هذا العالم الذي لا يمكن إبداعه بصورة مختلفة عن صورته الخاصة؛ من المقدر له أن يبقى شخصيا وغامضا بعض الشيء، ومع ذلك يجب أن يتشابه مع شيء مألوف لتجربة وأفكار وأحاسيس قارئه. ففي جوهر الأدب القصصي ــ حتى الأقل جدارة بهذه التسمية ــ يمكن العثور على ما يشبه الحقيقة ــ ويا حبذا لو أن الحقيقة مجرد حماسة صبيانية مصطنعة في لعبة الحياة كما هو الحال في روايات ألكسندر دوما الأب. غير أن الحقيقة المنصفة عن هشاشة البشر يمكن العثور عليها في روايات السيد هنري جيمس. أما الحقيقة الفكاهية المرّوعة عن جشع البشر المنبجس بين أنقاض الوجود فتعيش في العالم الشنيع الذي ابتدعه بلزاك؛ ذاك أن السعي وراء السعادة بواسطة طرق شرعية وغير شرعية؛ عن طريق الاستسلام أو التمرد، بواسطة الخداع الحاذق فيما يتعلق بالمعاهدات، أو عن طريق التشبث الجاد بأطراف آخر النظريات العلمية؛ هو الموضوع الوحيد الذي يستطيع الروائي تطويره على نحو شرعي؛ لأن الروائي هو المؤرخ لأحداث مغامرات البشرية وسط مخاطر العيش في مملكة الأرض. ومملكة هذه الأرض ذاتها؛ الأرض التي تقف فوقها شخصياته، وتتعثر، أو تموت، لابد أن تنضم إلى مشروعه المدون في سجله المعتمد. وأما الإحاطة بكل ما سبق في مفهوم مُتّسق فهو عمل بطولي عظيم، وحتى محاولة إحداث هذه الإحاطة عمداً وبنية جادة ــ وليست نتيجة تحريض وسوسة عبثية في قلبٍ جاهل ــ هو تطلعٌ مشرّف. لأن الأمر يتطلب بعض الشجاعة للخطو نحوه بهدوء فيما يحرص الحمقى على الاندفاع. وبصفته روائيا فرنسيا بارزا وناجحا أبدى ملاحظة ذات مرة حول رواية "قلب الظلام".
لابد أن يشك الروائي بقدرته على التعامل مع مهمته؛ إنه أمر طبيعي؛ إذ يتصوّر بأنها أضخم مما هي عليه. ورغم أن الإبداع الأدبي هو الشكل الوحيد من الأشكال المشروعة من النشاط البشري الذي لا تظهر قيمته إلا باستبعاد الاعتراف الكامل بجميع النشاطات الأخرى الأكثر تميزًا، فإن هذا الشرط يُنسى أحيانًا من قبل الكاتب الذي غالبًا ما يميل إلى ادعاء امتلاكه موهبة استثنائية في السيطرة على جميع المهام الأخرى للعقل البشري، خاصة في مرحلة شبابه. ولعل تراكم النثر والشعر يلتمع هنا وهناك في عقله مع وهج شرارة سماوية، إلا أن نتاج الجهد البشري ليس ذا أهمية خاصة. كما لم يعد ثمة شكل مُبرر لوجوده يتعدّى أهمية الإنجازات الفنية الأخرى. ومقدّر له أن يُنسى مثل بقية الإنجازات دون ترك أي أثر يُذكر. وحيثما يتمتع الروائي بامتياز شرف الحرية على العاملين في مجالات فكرية أخرى؛ حرية التعبير وحرية الاعتراف بمعتقداته القلبية، يتوجب مواساته جراء عبوديته الشاقة للقلم.
يجب أن تكون حرية الخيال أثمن قيمة يمتلكها الروائي. ذاك أن محاولة الكتابة الحرّة طوعًا كشف العقائد الجامدة لبعض مذاهب الرومانسية أو الواقعية أو الطبيعية عن إيحائها الخاص هي خدعة يستحقها العناد البشري، الذي بعد ابتداعه أمورا لا جدوى منها، سعى إلى العثور على أصل لها بين أسلافه المتميزين. إنه عجز العقول المنقادة؛ فحين لا تكون الحرية أداة ماكرة بيد أولئك غير الواثقين بموهبتهم، سيتم إضافة بريق لها عن طريق سلطة المذهب. كما فعل كبير الكهنة الذي أعلن بأن ستاندل هو نبي المذهب الطبيعي. رغم أن ستاندل نفسه لم يكن ليقبل أي قيود تُفرض على حريته. لأن عقل ستاندل من الطراز الأول. ولا بد أن روح الرب في الأعلى تستشيط غضبًا الآن ضد الازدراء والسخط الستاندلي الاستثنائي. ففي الحقيقة هناك أكثر من نوع واحد من الجُبن الفكري يتوارى خلف العبارات الأدبية. ولأن ستاندل شجاع في المقام الأول، كتب بروح تحررية لا تعرف الخوف روايتيه العظيمتين، اللتان قرأهما قلة من الناس.
يجب ألاّ يُفترض أني أطالب بحرية العدمية الأخلاقية للكاتب في مجال الأدب القصصي. بل سأطلب منه جُملة من العبادات في طليعتها التعلق بأمل لا يموت؛ ورجاء يضم كل ما يخص التقوى من مثابرة وتخلي. وأما الثقة التي قذفها في قلوبنا الرب تجاه قوة السحر والإلهام فهي شكل ينتمي إلى الحياة على هذه الأرض. فنحن نميل إلى نسيان أن سبيل التفوق يكمن في الخضوع الفكري، تمييزًا له عن الخضوع العاطفي. وإن تعبير المرء صراحة عن شعوره بالحرمان على نحو يائس ما هو إلا انعكاس لجبروته. يبدو الأمر كما لو أن الإبداع قد صنعه عدد من الرجال في أزمان مختلفة، ذاك أن هناك الكثير من الشر في العالم كان مصدرًا للفخر والابتهاج الشيطاني حتى لبعض من الكتّاب العصريين. هذا المزاج غير ملائم للتعامل مع أدب القصّ؛ إنه يمنح الكاتب ــ والرب وحده يعلم السبب وراء ذلك ــ شعور بالزهو لتفوقه. ولا شي أكثر خطورة من شعور الغبطة لذلك الولاء المطلق تجاه مشاعر وأحاسيس يتوجب على الكاتب ادخارها إلى أكثر لحظاته الإبداعية بذخًا.
لكي تكون متفائلاً بالمعنى الفني، لا يتحتم عليك الاعتقاد أن الكون خيّر؛ بل يكفيك الإيمان بأن جعله خيّرًا ليس أمرًا مستحيلاً. إذ قد تسمح الفكرة الخيالية بارتقاء العديد من الأخلاقيات الحالية بين البشر إلى مستوى أفضل، إلا أن الروائي الذي يعتقد بأنه ذو روح تسمو على أرواح البشر الآخرين، يفتقد إلى أهم شرط يخص مهنته؛ إذ أن امتلاك موهبة الكلمات ليس بالأمر العظيم. إن الشخص المجهز بسلاح بعيد المدى لن يصبح صيادًا أو محاربًا بمجرد امتلاكه سلاحا ناريا؛ فهو بحاجة إلى مميزات شخصية ومزاجية عديدة تجعل منه صيادًا أو محاربًا. وأما إذا أصابت إحدى عبارات ذخيرته الهدف المراوغ بعيد المدى للفن من بين ربما مئة ألف، فسأطلب منه منح بفضائل البشر الملتبسة اهتمامًا خاصًا عند تعامله معهم. وألّا يكون جازعًا في التعامل مع عيوبه الطفيفة والسخرية من آثامها. وألّا يتوقع الكثير من الامتنان من تلك البشرية التي مصيرها ـ الممثل بالأفراد ــ مكشوف أمامه وما عليه إلا وصفه على أنه مضحك أو رهيب. كما آمل منه النظر بتسامح كبير إلى أفكار البشر وتحيزاتهم الناتجة من الضغينة بلا شك، وتعتمد على تعليمهم ووضعهم الاجتماعي وحتى مهنهم. يجب ألّا يتوقع الأديب الجيد أي تقدير لجهده ولا إعجاب بعبقريته. ذاك أن تقييم جهده قد يتم مع الحرج وأما عبقريته فقد لا تعني أي شيء للأميّين، حتى بشأن الحكمة المروعة التي يتبنونها فيما يتعلق بالبعث بعد الموت، فإنهم لا يفضلّون سوى التفاهة والابتذال. كما آمل منه توسيع تعاطفه عبر المتابعة المتأنية والحنونة فيما تزداد قدرته العقلية. التعاطف يكمن في التعامل الموضوعي مع الحياة، فذاك الذي يمكنه الوفاء بوعده الوصول إلى المثالية فيما يخص فنه بدلاً من محاولة فرض تلك أو هاتيك الطريقة المحددة من التقنية أو التصور عبر عبارات غير معقولة، دعوه يُنضج قدرته التخيليّة وسط كل الأمور التي تجري على هذه الأرض، التي من مهمته أن يرعاها ويعرفها، والامتناع عن مناشدة السماوات لإنزال إلهام جاهز من مثاليات يجهلها تمامًا. كما لا ألومه على وهم التعاظم الذي يصيب الكاتب أحيانًا: الوهم بأن إنجازه يضاهي تقريبًا عظمة حلمه. لأن ما يمكن أن يمنحه السكينة والقوة ليضمه إلى صدره كما يضم شيئًا مبهجًا وإنسانيًا؛ والفضيلة والسداد والحكمة من قبل مدينته، هو تصريح معلن ببلاغة متواضعة من قبل مشرّع جليل: "لم أقرأ كتب هذا الكاتب، ولو قرأتها لكنت نسيتها ..."