حرب الروايات - تأليف: إيمان بوعناني

 "حرب الروايات" — رحلة أدبية في أعماق النفس البشرية

تأليف: إيمان بوعناني
النوع الأدبي: رواية نفسية / تشويق وغموض

حرب الروايات   -  تأليف: إيمان بوعناني


عن الرواية:
هل تساءلت يوماً عن تلك الحروب الخفية التي تدور في باطنك دون أن يراها أحد؟ تلك المعارك الصامتة التي نصل فيها إلى أقصى درجات الإنهاك النفسي ونحن نحارب أنفسنا بأنفسنا؟
تأخذنا رواية "حرب الروايات" في رحلة فريدة ومجنونة تتجاوز حدود السرد التقليدي، لتضع القارئ في قلب صراع نفسي متلاطم الأمواج. تنطلق الأحداث على متن سفينة تمخر عباب البحر، حالمةً وهادئة في ظاهرها، لكنها محملة بالأسرار والحكايات المتشابكة في باطنها. هناك، بين ممرات السفينة وأحداثها المتسارعة، تتقاطع حكايات وشخصيات عديدة، تعكس كل واحدة منها جزءاً من صراعاتنا الإنسانية اليومية، ومخاوفنا التي نحاول الهروب منها باستمرار.
لكنّ البناء الروائي لا يتوقف عند حدود التشويق الخارجي؛ بل ينعطف بالترددات السردية نحو عمق نفسي مدهش. في تحوّل درامي فاصل، تكتشف أن تلك القصص والتفاصيل المتشابكة لم تكن سوى تجسيد لمتاهات العقل البشري، وأن ما عشته على متن السفينة هو في جوهره جلسة علاجية واستشفائية تجمع بين مريض ومريضة داخل مسار التعافي من اضطرابات نفسية متعددة ومُعقّدة.
تطرح الرواية تساؤلات عميقة حول معنى الشفاء والإدراك:
كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز اضطرابه النفسي حين يستمع إلى صوته الداخلي بصدق؟
كيف يغدو الفن والأدب والكتابة ملاذاً أول وإسعافاً أدبياً لخلاص الروح من معتقلات الخوف؟
وكيف نصل إلى مرحلة السلام والتعافي من خلال فهم الذات والتصالح معها بدلاً من الصراع معها؟
إن "حرب الروايات" ليست مجرد كتاب يُقرأ، بل هي جُرعة أدبية لمداواة الأرواح، وإسعاف أول لكل من يبحث عن إجابات داخل سراديب نفسه. إنها دعوة المبدعة إيمان بوعناني لتخطي أزماتنا، والتصالح مع ذواتنا، وتحويل معاركنا الداخلية إلى وقود يمنحنا القوة للإبحار نحو شاطئ الأمان.

فتاة المطر - نص الكاتبة سناء سليمان قدوري

فتاة المطر    - نص الكاتبة سناء سليمان قدوري


على حدود القرية، وفوق ذلك السور القديم، تجلس وهي تحدق في الأفق، تسرح بخيالها إلى أبعد نقطة منه. فجأة، ودون سابق إنذار، تسمع صوت خالتها يتعالى: "أين أنتِ؟ تأخرتِ، سيفوتك الغداء!"

تحمل دلو الماء في يديها وتنزل الدرج مسرعة، تكاد تسقط، وهي مبتسمة لأنها تعرف أن خالتها ستعاتبها: أين كنتِ؟ مع من؟ ماذا كنتِ تفعلين؟ تتوالى صرخات خالتها عليها كأغنية عذبة اعتادت سماعها كل يوم.

تنهي الدرج لتكمل الطريق الترابي بين أغصان شجر العناب وبعض من شجر الرمان والتفاح، ثم شجر الزعرور، لتصل إلى المكان الذي كانت ترهب منه، إنها سيقان التمر الهندي وأشواكه المرعبة... وأخيراً وصلت، واستمعت إلى سيمفونية الخالة التي تعزفها بمهارة. تضع المياه في مكانها وتغتسل، ثم تجلس أمام جدتها. - لا تنزعجي من خالتك، إنها تخاف عليك... - ثم أنتِ، ألم تملي من الركض بين حقول الزرع؟ لقد كبرتِ وأصبحتِ عروساً، ليست كل الأماكن الآن متاحة لكِ، أدركي ذلك وافهميه. مبتسمة كعادتها: حسناً، فهمت، لن أكررها. بسم الله، طبخك كل يوم يصبح أحلى يا جدتي، إنك تتحسنين. - أجل، أنا آخذ من حلاوتك وأضع فيه، لذا يصبح هكذا. - هيا، ليس وقت المزاح، الأكل سيبرد. بعد الانتهاء، تساعد في ترتيب الغرفة، وبينما يستلقي الجميع لأن الجو بارد، تتسلل هي خارجاً، تنزل إلى الحديقة السفلى وتتجول فيها. تستمتع بتلك النسمات التي تخترق قلبها لتجعله منتعشاً. وبينما هي تلعب كطفلة مدللة، تبدأ قطرات المطر بمعانقة شعرها الطويل. تركض نحو الأعلى تسابق المطر علها تصل قبل أن تتبلل، ولكن الجو لا يستأذنها، وتفتح السماء أبواب الخير، فتغرق رجلاها الصغيرتان في الطين، تسقط مرة وتفوز مرة، وكل ما يشغلها أنها وسخت ثوبها وخالتها ستوبخها. حين تدرك أنها الخاسرة، تختبئ في خُمِّ الدجاج، إنه أقرب مكان لها. تجلس قرب المدفأة الصغيرة، فجدها بنى داخل كل خُمٍّ مدفأة لأن الجو صعب في الشتاء ولا يريد لحيواناته أن تبرد. تزيد بعض الحطب وتستلقي فوق التبن وتبدأ بمداعبة قطتها، تحدثها عن أحلامها. صوت المطر فوق السقف يقرع كأنه موسيقى تهدئها، فتغفو كأنما تنام في الجنة. تفتح عينيها بثقل وكأن فوقهما جبل من الأحلام، ويُزفر حلقها بسعال يرعب صيصانها. - إنها هنا، وجدتها... تعالي... ماذا تفعلين بنا؟ أرعبتِنا... سيكون عقابك اليوم كما لم يكن من قبل. - اعتذر، سبقني المطر فغلبني. وترفع يدها متعبة لتمسح دمع خالتها المنهمر كحبات اللؤلؤ ولكنها لا تصل. - أسرع، احملها... إلى المشفى، حرارتها مرتفعة. تستيقظ بعد مدة لتجد والدها ووالدتها بجانبها: أين خالتي؟ أين أنا؟ لن أكررها، سامحيني. تنهمر منها الدموع وتتخبط بين يدي والدها. يسارع الطبيب بإخراج الجميع. تتنفس بهدوء وتسأل الطبيب: ما اليوم؟ - أهلاً بك يا حلوة، ما اسمك؟ - ياسمين. - ما عمرك؟ - أنا في الخامسة والنصف. - أي يوم نحن فيه؟ - اليوم الاثنين أو ربما... - لماذا تقولين ربما؟ - لأني نمت والجو كان عاصفاً، لكني أرى المكان مشمساً وكأننا في الربيع. - فعلاً أنتِ كما قيل عنك ذكية وفطنة، نحن في يوم الخميس. الطبيب: نتائج تحليلها تؤكد ما أخبرتكم به، تعاني فقر دم وتحتاج إلى عناية. تبدل ثيابها والحزن يأكل قلبها، تبحر بعينيها في ساحة المشفى عساها تلمح طرف ثوبها، هي لن تودعني، أعرف هذا جيداً. وتجول شاردة الذهن بين نوافذ السيارات إلى أن تلمحها... أخيراً تبتسم وترتاح بصدق وتنطلق إلى سيارة أبيها دون تردد، فقط التقت نظراتها بنظرة خالتها وغسلت قلبها بنور حبها: إلى لقاء قريب أيتها الغاضبة الحنون، سأعود بسرعة. ابتدأ الموسم الدراسي وانشغلت بالتركيز على دروسها. اختلفت الحياة في المدينة عن الريف، لكن صوت المطر وهو يرتطم بألواح القصدير ما زال يطربها. بعد سنين، هذه العطلة كانت مختلفة جداً، أصبحت الطفلة المشاغبة عروساً، وانتظرت جدتها بشهادة الإعدادية تحمل تقدير جيد جداً. - جدتي، أتحتاجين شيئاً؟ أنا سأنزل قليلاً. - إلى أين؟ عودي إلى هنا، الشمس حارقة. - لا تقلقي، أنا سأكون عند عين الماء. وكبرتُ يا جدتي، وعرفتُ أن عين الماء التي كنتِ ترسلينني إليها لم تكن ماءً فقط، كانت درساً في العطاء. فهمتُ الآن لماذا كنتِ تخافين عليّ من كل الحقول، ولماذا كانت خالتي تصرخ وتعاتب، لأن الحب عندنا كان قاسياً ليحمينا. اليوم، وأنا أمشي إلى عين ماء أخرى بعيدة، في هذه المدينة التي لا تعرفني، أتذكر خالتي تلك المرأة التي كانت تفعل مثلي تماماً، تفتح قلبها كخُمّ دافئ لكل من أتعبه الطريق.
أدركتُ أن كل امرأة تمنح دون أن تنتظر الشكر، هي خالتي، وهي خالتي مليكة، وهي جدتي التي كانت تأخذ من حلاوتي لتجعل طبخها أحلى. كلنا فتيات مطر، نركض ونقع في الطين.

الإقرار وإصدار الأحكام في العمل الأدبي بقلم خيرة عبدالكريم



الإقرار وإصدار الأحكام في العمل الأدبي بقلم خيرة عبدالكريم


يُعدّ العمل الأدبي فضاءً رحبًا تتفاعل فيه الأفكار والمشاعر والمواقف الإنسانية، إذ لا يقتصر الأدب على نقل الأحداث أو وصف الشخصيات، وإنما يسعى في كثير من الأحيان إلى الكشف عن حقيقة الإنسان وعلاقته بذاته وبالمجتمع من حوله. ومن هنا يبرز عنصران مهمان في بناء الخطاب الأدبي، هما الإقرار وإصدار الأحكام، باعتبارهما وسيلتين للتعبير عن المواقف وتوجيه دلالة النص.

ويقصد بالإقرار في العمل الأدبي اعتراف الشخصية أو الراوي بحقيقة معينة، سواء تعلقت بفعل ارتكبه، أو موقف عاشه، أو شعور داخلي ظل يخفيه. وقد يأتي الإقرار صريحًا ومباشرًا، من خلال الاعتراف الواضح بالقول، وقد يكون ضمنيًا تستشفه من تصرفات الشخصية أو من سياق الأحداث. ويؤدي الإقرار دورًا مهمًا في الكشف عن خبايا النفس البشرية، لأنه ينقل القارئ من ظاهر الأحداث إلى أعماق الشخصية ودوافعها.

ولا يقتصر الإقرار على الاعتراف بالخطأ أو الذنب، فقد يكون إقرارًا بالحب أو الخوف أو الندم أو العجز أو الحقيقة. ولذلك فهو يمنح الشخصية بعدًا إنسانيًا، ويجعلها أكثر قربًا من القارئ، خصوصًا عندما تكشف عن ضعفها أو تناقضاتها. كما يمكن أن يكون الإقرار نقطة تحوّل في مسار العمل الأدبي، إذ يساهم في تغيير مجرى الأحداث أو إعادة تفسير مواقف سابقة.

أما إصدار الأحكام فيتمثل في المواقف التي يتخذها الراوي أو إحدى الشخصيات تجاه الأشخاص والأفعال والأحداث. فقد يحكم الراوي على سلوك شخصية ما بالصواب أو الخطأ، أو يصف موقفًا بأنه عادل أو ظالم، أو يعبّر عن موقف أخلاقي أو اجتماعي من قضية معينة. وقد تكون هذه الأحكام مباشرة، حين يصرح بها الكاتب أو الراوي، أو غير مباشرة، حين يترك للقارئ مهمة استنتاجها من الأحداث والحوارات والنتائج.

وتكمن أهمية الأحكام في أنها تمنح العمل الأدبي بعدًا فكريًا وقيميًا، غير أن الإفراط فيها قد يحوّل النص إلى خطاب وعظي مباشر، ويقلل من مساحة التأويل أمام القارئ. لذلك يلجأ كثير من الأدباء إلى تقديم الوقائع والشخصيات بطريقة تجعل القارئ يشارك في بناء الحكم، بدل أن يتلقى موقفًا جاهزًا.

ويرتبط الإقرار بإصدار الحكم ارتباطًا وثيقًا؛ فالإقرار يكشف الحقيقة أو جانبًا منها، بينما يأتي الحكم بوصفه استجابة لهذه الحقيقة. فقد تعترف شخصية بخطئها، ثم تواجه حكم الآخرين عليها، أو قد يعترف الإنسان بضعفه دون أن يكون ذلك مدعاة لإدانته. وهنا تتجلى قدرة الأدب على طرح الأسئلة الأخلاقية والإنسانية دون تقديم إجابات نهائية بالضرورة.
ومن الناحية الفنية، يسهم الجمع بين الإقرار والحكم في بناء التوتر الدرامي وتعميق الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات. فحين تكشف الشخصية عن سر أو تعترف بفعل ما، ينتظر القارئ ما سيترتب على هذا الاعتراف. وقد يكون الحكم الصادر من شخصية أخرى مخالفًا لما يتوقعه القارئ، مما يفتح المجال أمام تعدد وجهات النظر. كما أن العمل الأدبي الناجح لا يجعل الحكم منفصلًا عن السياق، بل يربطه بالشخصيات والظروف الاجتماعية والنفسية التي أنتجته. فالكاتب قد يعرض شخصية ارتكبت فعلًا مرفوضًا، لكنه في الوقت نفسه يكشف الظروف التي دفعتها إليه، فيصبح القارئ أمام سؤال أكثر تعقيدًا من مجرد الإدانة أو التبرئة: هل نحكم على الفعل وحده، أم ننظر أيضًا إلى دوافع صاحبه وظروفه؟
وفي النهاية، يمكن القول إن الإقرار وإصدار الأحكام عنصران أساسيان في تشكيل المعنى داخل العمل الأدبي. فالإقرار يكشف المستور ويمنح الشخصيات عمقًا نفسيًا وإنسانيًا، بينما تكشف الأحكام عن منظومة القيم والمواقف التي تحكم عالم النص. وبين الاعتراف والحكم تتشكل مساحة واسعة للتأمل والتأويل، تجعل القارئ شريكًا في فهم العمل وليس مجرد متلقٍ لأحداثه. ولذلك يظل الأدب قادرًا على طرح القضايا الإنسانية الكبرى من خلال تجربة الشخصيات وأصواتها ومواقفها، تاركًا للقارئ مساحة للتفكير واستخلاص الدلالات.

بعض مني/ الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)

بعض مني/ الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)


 لا أعرف كيف أشرح لك ما يحدث في داخلي حين تكون قريبًا مني.

هناك أشياء أشعر بها تجاهك، وكلما حاولت أن أضعها في كلمات، شعرت أن الكلمات أصغر من أن تحملها.

أنت لم تكن شخصًا قررت أن أحبه، ولم أنتبه في لحظة محددة إلى أنني وقعت في حبك.
حدث الأمر بهدوء شديد، لدرجة أنني لم أكتشفه إلا بعدما أصبحت أبحث عنك في تفاصيل يومي دون أن أشعر.

صرت أفرح حين أراك، حتى لو لم يحدث بيننا شيء يستحق أن يُروى. يكفيني أحيانًا أن تمر أمامي، أن تقول كلمة عابرة، أن تبتسم، أو حتى أن تلتقي عيناك بعينيّ للحظات. الغريب أن الأشياء الصغيرة منك لا تبدو صغيرة بالنسبة لي. قد تقول شيئًا وتنتهي اللحظة بالنسبة إليك، بينما تظل كلمتك عالقة في رأسي بقية اليوم. وقد تبتسم ابتسامة عادية جدًا، ثم أجد نفسي أتذكرها في وقت لا علاقة له بك. ربما لأنني لم أعد أراك كما يراك الآخرون. أصبحت ألاحظ تفاصيلك التي ربما لا تنتبه إليها أنت أصلًا. طريقة حديثك، نبرة صوتك، نظراتك حين تصمت، وحتى الأشياء التي تفعلها دون قصد. وأحيانًا أتساءل: متى أصبح وجودك بهذا الحجم في حياتي؟ متى انتقلت من مجرد شخص أعرفه إلى شخص أنتظر رؤيته؟ ومتى أصبحت أفتقدك دون أن يكون بيننا وعد يجعل لي حق الاشتياق؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أنني حين أراك، يحدث شيء بسيط في داخلي... شيء لا أستطيع تفسيره، لكنه يجعل اليوم أخف. وأحب تلك اللحظات التي تلتقي فيها أعيننا، حتى لو كانت قصيرة. لأن هناك نظرات لا تحتاج إلى شرح، نظرات تقول للقلب شيئًا لا تستطيع الشفاه قوله. وربما لهذا السبب أخاف أحيانًا من عينيك أكثر من كلامك. أخاف أن تكشفا ما أحاول أنا بكل هدوء أن أخفيه. أنا لا أريد حبًا يجعلني في حالة سؤال دائم. لا أريد أن أقضي لياليّ وأنا أحاول تفسير كلمة، أو نظرة، أو صمت. أريد شيئًا بسيطًا وواضحًا. أريد أن أشعر بالأمان وأنا أحبك، وأن أعرف أنني لست وحدي في هذا الشعور. أريد أن أستطيع أن أقول لك إنني اشتقت إليك دون أن أفكر كثيرًا قبل أن أرسلها. أن أقول لك إن وجودك يعني لي شيئًا، دون أن أخاف من أن أكون قد قلت أكثر مما ينبغي. ولست أبحث عن حب مثالي؛ أبحث عن حب صادق فقط. حب لا يجعل أحدنا مضطرًا إلى التظاهر بأنه لا يهتم، بينما قلبه يفعل العكس تمامًا. ولعل أكثر ما يؤثر فيّ أنك جعلتني أكتشف جانبًا من نفسي لم أكن أعرفه. أنا التي كنت أظن أنني أستطيع السيطرة على مشاعري، أصبحت أنتظر لقاءً عابرًا، وأتذكر كلمة قيلت في دقائق، وأبتسم وحدي بسبب موقف ربما لم تنتبه إليه أصلًا. وهذا أكثر ما يربكني في الأمر. أنك لا تفعل شيئًا استثنائيًا، ومع ذلك تترك في قلبي أثرًا استثنائيًا. ولو سألتني يومًا: ماذا وجدتِ فيّ حتى أحببتني بهذا الشكل؟ ربما لن أجد جوابًا مرتبًا. سأقول لك فقط إنني وجدت شيئًا شعرت به ولم أعرف كيف أسميه. وجدت راحة غريبة في وجودك، وألفة لا أعرف من أين جاءت، وشيئًا يجعلني أشعر أنني لست مضطرة لأن أكون شخصًا آخر حين أكون بقربك. وجدت فيك ذلك الشعور الذي لا يأتي كثيرًا في حياة الإنسان. الشعور الذي يجعلك لا تريد من الشخص شيئًا كبيرًا، سوى أن يبقى. أن يبقى قريبًا، وأن تكون الأيام لطيفة بما يكفي كي لا تأخذه بعيدًا. وأصدق ما يمكنني قوله لك الآن هو أنني أحبك بطريقة أكبر من قدرتي على شرحها. لذلك أكتب. لأنني لو وقفت أمامك وقلت كل ما في قلبي، ربما ستفضحني عيناي قبل أن تكمل الكلمات طريقها. وربما لن أقول لك كل شيء أصلًا. سأكتفي بالنظر إليك قليلًا، وأبتسم، وأترك لك أن تفهم وحدك أن هناك شخصًا في هذا العالم أصبح وجودك يعني له أكثر مما تتخيل. وأنا...
كنت ذلك الشخص.

​جغرافيا الحنين: هل نسكن الأماكن أم تسكننا الذكريات؟ - الكاتبة مريم جابري

​جغرافيا الحنين: هل نسكن الأماكن أم تسكنا الذكريات؟


​حين نغادر مكاناً ما، نتوهم بغرور أننا فارقناه؛ فنظن أن الأمتعة المضبوبة والمسافات الفاصلة قادرة على بتر حبل الوجود الممتد بيننا وبينه. غير أن الفينومينولوجيا، بتأملاتها العميقة في إدراك الجسد والفضاء، تصدمنا بالحقيقة الأوجع: نحن لا نترك الأماكن وراءنا، بل هي التي تتخذ من أجسادنا مستقراً، وتحفر في أعماقنا إحداثياتها السرية.

​فالمكان ليس مجرد مساحة صماء تحاصرها الجدران، بل هو "امتداد عضوي للذات". عطر عالق بزاوية منسيّة، ملمس ضوء شمس الأصيل على نافذة قديمة، أو صدى خطوات غائرة على بلاط بارد؛ تفاصيل لا تُختزل في عدسة البصر، بل تُطْبَع في الذاكرة الحياتية للجسد. وحين يباغتنا ذلك الحنين المفاجئ لنيل تفاصيل يبدو ظاهرها تافهاً، فنحن لا نبكي الحجارة، بل نبكي أجزاءً منا توقفت هناك، كأنما تركت أرواحنا معلقة على مشاجب الغياب، تأبى العودة.

​من هنا يتشظى السؤال الجذري: أهو الحنين (Nostalgia) شوق حقيقي لزمن انقضى وانطوى، أم أنه حنين لحالة شعورية فريدة استقرت في قاع الوعي؟

​حين نغوص في العيادة النفسية وتحليلات الوعي، نكتشف أن الحنين ليس مجرد رغبة رومانسية في العودة للماضي، بل هو "ميكانيزم دفاعي" واقي يلجأ إليه العقل هرباً من صدمة الحاضر واغترابه. فعلى مستوى البناء النفسي، يعيد الإنسان صياغة ذكرياته ليخلق "وطناً افتراضياً" آمناً، يرمم فيه شروخ واقعه اليومي. نحن لا نحمل الأيام كما عاشرتنا بمرارتها، بل نحمل "صصورتها المصفاة"؛ تلك الكثافة الشعورية التي صاغت صفاءنا الأول قبل أنثاق الصراعات وتآكل الروح بيوميات الحداثة السائلة.

​وعلى الصعيد الفلسفي الوجودي، يتحول الحنين إلى نوع من "الحداد الخفي"؛ إنه إقرار صامت بأننا كائنات عابرة، وأن الزمن يلتهم كل ما نحب. الذكريات ليست مجرد ألبوم غبار وأوراق باهتة، بل هي "السلطة الخفية" التي تعيد هندسة أرواحنا بصمت، والكهف الأخير الذي نلوذ إليه كلما ضاقت بنا سعة العالم. إننا نتحسر لأننا ندرك بالفطرة أن تلك اللحظة الفريدة لا تترجم إلى صيغة تكرارية؛ فالزمن لا يعود للوراء، وكل ما نملكه هو صدى الأثر. ​وما سر هذا الحنين إلا قدرته المزدوجة على الإيلام والتعزية؛ فهو يدمينا لأنه يذكرنا بما استحال استرجاعه، وفي ذات اللحظة، يدفئنا لأنه الدليل القاطع على أننا أحببنا بصدق، وأن أعماقنا كانت قابلة للاحتضان.
​تلك هي جغرافيا الروح الحقيقية: مساحات لا تُقاس بالأميال، بل بالأثر الذي تتركه الأشياء حين تمر بنا. فنحن لسنا سوى محصلة للأماكن التي سكنتنا، والذكريات التي ترفض أن ترحل، حتى وإن توهمنا يوماً أننا في مهب النسيان راحلون.

كرامتك ليست ثمنا للرزق -عبدالله جمعة المشايخي


كرامتك ليست ثمنا للرزق  عبدالله جمعة المشايخي

جاءت الشريعة الغراء متممة لمكارم الأخلاق، ليرتقي بها الإنسان ويحيا بعزة ترفع شأنه بين الأمم. وإن ابتغينا غير ذلك، أذلنا الله ذلة يسخر منها أرذل الأقوام. وما أعز الإنسان حين يكون زاهدا ورعا، يخشى أن يتسلل إلى نفسه الكبر، فيطغى ويظلم خلق الله في البر والبحر والسماء.
بالأمس حدثني أ.ن عن قصته. كان يعمل في مؤسسة خاصة بإحدى الدول العربية، وسأكتفي بالإشارة إليه بهذا الرمز حتى يتسنى لي الحديث بحرية.
قال لي: «لقد انقشعت عني الحقيقة يا عبدالله. طوال مسيرتي العملية بقيت في مكاني، حتى غدوت ككيس ملاكمة ودمية للصفع؛ كل من مر بي ألقى علي من الشتائم والإهانات ما شاء. وكانت تسند إلي أعمال وهمية لا تنتفع منها المؤسسة، وإنما كانت تكلف بها من باب العبث والتسلية. نقلت بين دوائر عدة، وكأنني عبد جيء به ليرفه عن أسياده.
كنت أموت في اليوم ألف ميتة، وأخشى حتى أن أتكلم، مخافة أن تنقلب الآية علي فأفقد عملي. وكان كل يوم يمضي من عمري يكشف لي، دون أن أدرك، مقدار ما كنت أظلم به نفسي حين أصمت تحت وطأة الاستبداد.
وفي إحدى المرات، عدت من العمل مثقلا بالانكسار، أبكي ضعفي وقلة حيلتي. أخرجت هاتفي، وأخذت أقلب المقاطع القصيرة حتى مر بي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه». قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: «يتعرض من البلاء لما لا يطيق».
أقسم لك يا عبدالله، كأن ماء باردا انسكب على قلبي في تلك اللحظة. أدركت أن القرب من الله ليس صورة نظهرها لأنفسنا، ولا شعورا زائفا بالتقوى، بل بصيرة تعيد للإنسان وعيه بنفسه وكرامته. كنت أظن أنني من أتقى الناس، ثم اكتشفت أنني، مع محافظتي على فرائضي، كنت ضعيفا في مواضع كان ينبغي لي فيها أن أكون أكثر وعيا وثباتا.
بدأت أخالط الناس، وأستمع إليهم، وأتعلم منهم، حتى صرت أقوى فهما وأثبت موقفا. ومنذ ذلك الحين، أخذت أرى هشاشة أولئك الذين كانوا يتسلطون علي، بعد أن كنت أتوهم فيهم قوة لا ترد. وشيئا فشيئا، تبدلت ملامحي؛ لم أعد ذلك الرجل المنكسر، بل صار في وجهي شيء من العزة التي افتقدتها طويلا.
ثم جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أن المؤسسة قائمة على تجاوزات خطيرة وجرائم في حق المجتمع والدولة. هذه المرة لم أتراجع، ولم أستسلم للخوف كما كنت أفعل من قبل. أبلغت الجهات الأمنية بما أعلمه، وتعاونت معها فيما طلب مني.
ولا أنسى ذلك المشهد حين حاول المدير تسلق السور هربا من رجال الأمن. يومها فقط أدركت كم كنا نخطئ حين نظن أن كل متسلط قوي؛ فقد يكون أكثر الناس صراخا وسطوة، وأضعفهم حين تأتي ساعة الحقيقة».
أما اليوم، فيعمل أ.ن مندوبا لتوصيل الطعام، ويقول إنه يعيش في غاية الرضا والسعادة، على ما يحيط به من ضيق الحال والعوز. وكلما شعر بالانكسار، تذكر ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع، فيستعين بالله ويمضي راضيا مطمئنا.
إن كنت تؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تضعف حتى تسلك مسالك الذلة؛ فرزقك قد كتب لك، فلا تكتم الحق خشية مخلوق فتظلم غيرك، ولا تتوان عن الدفاع عن نفسك، فإن لنفسك عليك حقا.
خلقت لتكون عبدا لله وحده، لا عبدا لمخلوق جائر. فلا تجعل خوفك على رزقك يسلب منك كرامتك، ولا تجعل حاجتك إلى الناس تحملك على الصمت عن ظلمهم. قد يضيق عليك الرزق، وقد تفقد منصبا أو مالا أو مكانة، ولكن ذلك أهون من أن تفقد نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ بها.