القلب الواشي: قصة قصيرة – إدغار آلان بو

 

القلب الواشي: قصة قصيرة – إدغار آلان بو

هذا صحيح.. أنا عصبي، عصبي جدًا فوق ما تتصور، كنت وما زلت محافظًا على عصبيتي المريعة هذه. لكن لمَ قد يخطر على بالك أني مجنون؟ فالمرض لم يفسد حواسي، ولم يدمرها، على العكس تمامًا بل جعلها أكثر حدة. وأول هذه الحواس، حاسة السمع والتي أصبحت حادة جدًا. فأنا يا عزيزي أسمع ما يُسمع ومالا يُسمع، سمعت كل الأشياء التي في السماء وتلك التي في الأرض، سمعت حتى الأشياء التي تقبع في الجحيم. إذًا كيف تتهمني بالجنون؟ أنصت إليّ جيدًا! ولاحظ كيف أستطيع بهدوء وعقلانية أن أحكي لك القصة كاملة.

 من الصعب إخبارك كيف تبلورت الفكرة داخل رأسي لأول مرة، لكني بمجرد تخيلها علقت داخلي، فأصبحت تراودني ليلة تلو الليلة، فبات رفضها مستحيلا. هدف..؟ لم يكن هناك ثمة هدف. كره..؟ أوه لا، لا يتعلق الأمر بالعواطف أبدًا، فقد أحببت ذاك الرجل العجوز جدًا، فلا هو مرة أهانني ولا هو مرة خطّأني. ربما تقول أنني أسعى وراء ذهبه..؟ لا يا عزيزي لم أرغب أبدًا في سرقة ذهبه. حسنًا سأخبرك.. أعتقد أنها إحدى عينيه. نعم..! كانت إحدى عينيه تشبه عين النسر، زرقاء شاحبة يغطيها غشاء رقيق. في كل مرة أنظر إلى عينه تلك، كنت أشعر ببرودة تسري في أطرافي، وكأن دمي كان يتجمد في عروقي شيئًا فشيئًا، وهكذا قررت أن أحمل على عاتقي خطف حياة هذا الرجل، لأتخلص من هذه العين إلى الأبد.

الآن أنت ما زلت تتخيلني مجنونًا، المجانين يا صديقي لا يعرفون شيئًا. أما أنا.. آه ليتك رأيتني حينها، كان يجب أن تراني كيف كنت أفكر بعقل يملؤه الحكمة، وبشخصية يملؤها الحذر، وبعين بصيرة عزمتُ على فعل ما كنت أفكر به. نزلت عليّ رحمة وسكينة عجيبتين خلال الأسبوع الذي يسبق قتلي للرجل العجوز، لم أشعر بهما من قبل. وفي كل ليلة، تحديدًا في منتصف الليل كنت أمسك بمقبض بابه وأفتحه بكل هدوء، فأنا لا أريد إزعاج الرجل المسكين، آه يا لرقة قلبي! صنعت فتحة تسِع رأسي، ثم أدخلت فانوسًا داكن اللون، مغلق الجوانب، لا ينفذ الضوء منه. بعدها أدخلت رأسي من خلال تلك الفتحة، أوه، لو رأيتني كيف أدخل رأسي بمكر وخبث لضحكت عجبا! أدخلته ببطء شديد، فأنا كما أخبرتك لا أريد أن أيقظ مضجع الرجل العجوز. لقد أخذ هذا الأمر مني ساعة كاملة كي أتمكن من رؤيته وهو نائمٌ على سريره. ها..! هل يمكن لرجل مجنون أن يكون بهذه الحنكة.. ها؟ أخفضت ضوء الفانوس بحذر شديد، شديد جدًا، لأن مفتاحه اللعين كان يحدث صريرًا مزعجًا، ولكني أبقيت شعاع ضوءٍ نحيل ووجهته ليسقط على عين النسر. مرت سبع ليال طوال وأنا على هذه الحال، كل يوم وفي منتصف الليل أكرر ما أفعله، لكن لسوء حظي كنت أجد العين دائمًا مُغلقة، فاستحال عليّ فعل فعلتي. فلو كان العجوز هو الذي يثير غضبي لأتممت مهمتي من أول ليلة وأرحت نفسي، لكنها كانت عينه، عينه الشريرة. كنت كل صباح أذهب بكل وقاحة إلى حجرته وأتحدث إليه بكل جرأة، أناديه باسمه، بنبرة عطف وحنان، مستفسرًا إياه عن حال ليلته. لعلكم أدركتم كم كان هذا العجوز قد بلغ من الكبر ما بلغ حتى يخطر في باله أن أحدهم، والذي هو أنا، يحدق فيه وهو نائم كل ليلة عند الساعة الثانية عشر.

وفي الليلة الثامنة كنت أكثر حذرًا عندما فتحت الباب، كنت أفتحه ببطء شديد، حتى أن عقارب ساعتي كانت تتحرك أسرع من يدي! شعرت في تلك الليلة بمدى قوتي الهائلة وفطنتي العظيمة، شعورٌ لم أشعر به من قبل. حاولت جاهدًا احتواء مشاعر الانتصار، أخيرًا سأفعل ما خططت له! فتحت الباب شيئًا فشيئًا، وفكرة أن المسكين لم يحلم حتى بأفكاري وأفعالي هذه، أضحكتني، فضحكت بصوت منخفض لكن يبدو أنه سمعني، لأنه تحرك فجأة، وجلت وثبت مكاني. ربما تحسبني الآن أنني انسحبت وتركت ذاك العجوز بسلام! لا يا عزيزي، فلقد وصلت إلى مرحلة متقدمة جدًا. كان الظلام يلف غرفته، فكانت النوافذ مؤصدة بإحكام خوفًا من اللصوص، أراحني هذا الأمر من أنه لن يستطيع رؤية فتحة الباب التي صنعتها، بل لن يستطيع رؤية أي شيء. استمريت في دفع الباب رويدًا رويدا…

 فهمَمت حينها بفتح الفانوس، لكن إبهامي انزلق فجأة من على القفل الصفيحيّ مما أفزع مضجع الرجل العجوز المسكين وجعله يقفز من نومه ويصيح مذعورًا “من هناك؟” بقيت في مكاني من دون حراك، ولم أتفوه بكلمة واحدة. بقيت هكذا ساعة كاملة، لم أحرك حتى عضلة! وفي هذه الأثناء لم ينم العجوز، بل بقي مستيقظًا يتسمع، تمامًا مثلما كنت أفعل، ليلة تلو الأخرى، أستمع إلى دقات ساعة الموت، تك..توك..تك..توك!

وبعدها سمعت أنينًا خافتًا، لقد كان أنينُ هلعٍ من الموت. فلم يكن ذاك الأنين الصادر من الألم أو الحزن، أوه لا.. لم يكن كذلك، بل كان صوتًا مخنوقًا من أعماق روحٍ مشبعة بالخوف. إنني أعرف هذا الصوت جيدًا، ففي منتصف كل ليلة وعندما يغمض العالم عيناه، كان هذا الصوت يصدر من داخلي أنا، من أعماقي، بصداه المروّع الذي كان يكاد أن يدفعني إلى الجنون! قلت إني أعرفه، نعم أعرفه جيدًا وأعرف كيف يشعر هذا العجوز الآن وأشفق عليه، مع أني كنت أضحك في سرّي. كنت أعلم أنه كان ينام مستيقظا من أول صوت سمعه، منذ ذلك الحين ومخاوفه بدأت تتصاعد، كان يحاول أن يقنع نفسه أن مخاوفه لا صحة لها، لكنه لم يستطع. فأخذ يقول لنفسه: “هذا ليس إلا صوت الريح في المدخنة، أو فأرٍ يتجول في الغرفة، أو صريرُ صرصار الليل، أو أو أو…” نعم لقد كان يحاول طمأنة نفسه بهذه الافتراضات لكن بدون جدوى، كل هذا لم يفلح بشيء. فالموت يحبو نحوه، ويلفه بظله الأسود. لك أن تتصور مدى الشعور المُحزن والكئيب الذي كان يشعر به الرجل العجوز، فقد كان يشعر بالموت يلفه من كل جانب، مع أنه لم يكن يدري بوجودي في غرفته.

أوه.. لقد انتظرت طويلا.. طويلا جدًا، لكن الرجل بقي مستيقظًا. فقررت أن أصنع شقًا صغيرًا جدًا في الفانوس، فخرج منه شعاع نحيل خافت، نحيل كخيطٍ من خيوط العنكبوت، ومباشرة وقع على عين النسر.

 كانت عينه شاخصة، وكان غضبي يزداد كلما حدقت بها. رأيتها بكل وضوح، زرقاء شاحبة يغطيها غشاء قبيح، يقشعر بدني منها. لم أكن أرى في الغرفة كلها إلا هذه العين اللعينة لأن شعاع الفانوس كان موجهًا نحوها فقط.

 ألم أخبرك من قبل؟ ألم أخبرك بأنك مخطئ؟ هذا ليس جنونًا بل حدة الحواس. لقد دغدغ أذني صوتٌ مشوش ومنخفض وحاد كصوت ساعة لُفت بقطعة قطن، بالكاد تسمعه. لكني عرفت هذا الصوت جيدًا، لقد كانت ضربات قلب ذاك العجوز. إنها تُشعل غضبي كما تشعل دقات الطبول في المعارك حماس الجنود.

 ما زلت واقفًا بلا حراك، حاملًا فانوسي وبالكاد ألتقط أنفاسي. وبينما كنت أحاول تثبيت الضوء على عينه، كانت دقات قلبه تزداد كقرع الطبول، إنها تتسارع أكثر فأكثر، وترتفع أكثر فأكثر في كل لحظة. لابد أن الرجل العجوز بلغ من الخوف ما بلغ! أقول لك إن صوت دقات قلبه يزداد ارتفاعًا في كل لحظة، كل لحظة.. هل أنت واعٍ لما أقول؟! لقد أخبرتك أنني عصبي، وأنا صدقًا كذلك.

  ساعة الموت تصدع بدقاتها الصمت الرهيب لهذا المنزل العتيق، دق.. دق.. دقاتها المزعجة تدفعني إلى خوف لا أستطيع السيطرة عليه. مع ذلك ظللت واقفًا في مكاني لبضع دقائق، ولكن نبضات قلبه ترتفع وترتفع ارتفاعا فظيعا، حتى ظننت أن قلبه سينفجر. وبدأ ينتابني قلق آخر، لربما سمع الجيران صوت نبضات قلبه المرتفعة! أوه… لقد حانت ساعة الرجل العجوز، ولا يجب أن أنتظر أكثر. صرخت بكل صوتي وأضأت الفانوس كله، ثم اندفعت إلى وسط الحجرة اندفاعًا. لقد صرخ صرخة واحدة، واحدة فقط. في لحظة جرَرته إلى الأرض وأطبقت السرير فوقه إطباقًا. تبسمت فرحًا، فأخيرًا أتممت فعلتي. بعد دقائق معدودة سمعت صوتًا.. صوتًا مكتومًا، إنه صوت نبضات قلبه! لا يهم، فالصوت لن يزعجني، فلن يخترق الجدران، ولن أسمعه. كما أنني أبعدت السرير من فوقه لأتفحصه، ووضعت يدي فوق قلبه لعدة دقائق، لم يكن هناك نبض، لقد كان جثة هامدة. حُق لي أن أنام الآن قرير العين، فلن تزعجني عينه بعد ذلك.

ها.. أما زلت تظنني مجنونًا؟! صدقني ستتراجع عن رأيك عندما أصف لك حكمتي في اتخاذ الاحتياطات لإخفاء الجثة. بدأ الليل ينكشف، كنت أعمل بسرعة لكن في صمت. أولًا وقبل كل شيء بدأت بتقطيع الجثة، قطعت الرأس والذراعين والساقين.

اصبر.. ستكتشف الآن أين حكمتي.

بعدها أخذت ثلاثة ألواح من الخشب الذي يغطي أرضية الغرفة ووزعت أعضاؤه بين قطع الخشب، بعدها أعدت الألواح إلى مكانها بكل مهارة وذكاء، بحيث لا يُمكن لأي عين بشرية -ولا حتى عينه هو- أن تشك بأي شيء. ولم يكن هناك أي شيء بحاجة إلى التنظيف، لا بقع دم أو غيره، فقد جمع حوض الاستحمام كل شيء. ذكيٌ فطن!

 كانت الساعة الرابعة تمامًا عندما انتهيت من هذا العمل المُجهد، ولكن الليل كان حالكًا كأنه في منتصفه. دق جرس المنزل، أحدهم يطرق الباب. ذهبت لأفتح بقلب مرتاح، فليس هناك شيئًا أخشاه، أليس كذلك؟! فتحت الباب فإذا بثلاثة رجال عرّفوا بأنفسهم بكل لباقة بأنهم ضباط شرطة. أخبروني أن أخبارًا وصلتهم بأن أحد الجيران سمع صرخة مُفزعة خلال الليل، واشتبهوا بأن يكون هناك جريمة مدبرة، فأرسل مركز الشرطة هؤلاء الضباط للتحري عن الأمر وتفقد المنطقة.

ابتسمت.. فليس هناك شيئًا أخشاه، أليس كذلك؟ رحبت بالسادة الضباط، وقلت: الصرخة؟ ليست إلّا صرختي أنا من كابوس مفزع. أخبرتهم بالطبع عن الرجل العجوز وأخبرتهم بأنه ذهب إلى الريف. أخذتهم في جولة حول المنزل، وطلبت منهم أن يبحثوا، ويبحثوا جيدًا، أكملنا الجولة وأخذتهم إلى غرفة الرجل العجوز، وجعلتهم يتفقدون محتويات الغرفة جيدًا. أريتهم ممتلكاته، وكيف أنها مرتبة ولم يمسسها أحد. ولحماستي الشديدة وثقتي بأن يُستحال على أحد أن يكتشف فعلتي، أحضرت كراسي وأجلست رجال الشرطة في غرفة الرجل العجوز، وجلست أنا -لثقتي الزائدة- واضعًا كرسيي فوق بقعة الجثة، مُثبتًا لنفسي انتصاري الساحق.

كانوا ضباط الشرطة مقتنعين بكل شيء أقوله، فقد أقنعتهم أخلاقي الرفيعة بأن كل شيء على ما يرام. كانوا يسألون وأجيبهم بكل حماس وشجاعة، ثم أخذوا يتحدثون عن جرائم مألوفة. وبعد هُنيهة شعرت بأن وجهي أصبح شاحبًا فتمنيت في سري لو أنهم يذهبون. ثم أخذ رأسي يؤلمني ألمًا فظيعًا، وخُيّل إليّ أن رنينًا يصدح في أذني، تمنيت لو أنهم يذهبون، لكنهم مازالوا هناك يتحدثون. ازداد الرنين وضوحًا أكثر فأكثر بشكل مستمر، حاولت أن أتكلم بأريحية أكثر لأتخلص من هذا الشعور المربك، فإذا بالرنين يزداد وضوحًا، لأكتشف فيما بعد أن هذا الصوت المزعج لم يكن مصدره أذني!

لا شك أن وجهي الآن ازداد شحوبة، على الرغم من هذا أكملت حديثي بفصاحة وبنبرة عالية واثقة. لكن الصوت مازال يرتفع، يا إلهي ماذا يمكنني أن أفعل؟ لقد كان صوتٌ مشوش ومنخفض وحاد كصوت ساعة لُفت بقطعة قطن. التقطت أنفاسي برعب، ومازال ضباط الشرطة يتحدثون ولم يسمعوا ما أسمع، حاولت التحدث بسرعة، تحدثت عن أمور تافهة بغضب وعصبية، لكن الصوت ظل يرتفع ويرتفع. يا إلهي لم لا ينصرفون؟ أخذت أمشي ذهابًا وإيابًا على أرضية الغرفة بخطوات قوية غاضبة ملمحًا لرجال الشرطة بأن ينصرفوا، حنقت واهتجت وسببت ولعنت! أخذت أهز كرسيي وأحكّه على الألواح، مازال الصوت يرتفع ويرتفع ويرتفع، ومازال رجال الشرطة يتحدثون ويبتسمون بكل أريحية. أوه يا إلهي.. يا قادرًا على كل شيء، أيُعقل أنهم لم يسمعوا هذه الضوضاء، ألم يسمعوا هذا الصوت المزعج؟! لا لا.. بل سمعوا وشكّوا.. إنهم يعرفون.. يعرفون كل شيء، وكل تمثيلهم هذا ما هو إلا استهزاء بي وسخرية من رعبي! هذا ما ظننته، وهذا ما أظن. لقد كان أي شيء أرحم من هذا العذاب! يمكنني تحمل أي شيء ولا هذه السخرية!

لم يعد بإمكاني تحمل هذه الابتسامات المنافقة. شعرت أنني لابد أن أصرخ وإلا سأموت! والآن مرة أخرى، أنصتوا.. أعلى فأعلى فأعلى..!

صرخت بذعر “أيها الأوغاد”… يكفي خداع! إنني أعترف.. أعترف بالجريمة! انزعوا الألواح، هنا.. هنا، إنها دقات قلبه اللعين!”


ترجمة: وجدان الخنبشي


الإمبراطورة أوجيني و الخديوي إسماعيل: خلف بريق افتتاح قناة السويس

الامبراطورة أوجيني و الخديوي إسماعيل: خلف بريق افتتاح قناة السويس


في السابع عشر من نوفمبر عام 1869، كانت مصر على موعد مع واحد من أكثر الأحداث احتفاءً في تاريخها الحديث: افتتاح قناة السويس للملاحة الدولية. جاء إلى مصر في تلك المناسبة عدد كبير من الملوك والأمراء والشخصيات السياسية والفكرية من أنحاء العالم، وكانت في مقدمتهم الإمبراطورة أوجيني، زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث. وقد أصبحت أوجيني واحدة من أشهر الشخصيات المرتبطة بذاكرة ذلك الاحتفال.

كانت أوجيني دي مونتيخو، المولودة في إسبانيا عام 1826، قد أصبحت إمبراطورة لفرنسا بعد زواجها من نابليون الثالث عام 1853. وعندما وصلت إلى مصر سنة 1869، كانت في الثالثة والأربعين من عمرها، وكانت لا تزال الإمبراطورة الفرنسية، وجاءت إلى البلاد في ذروة المجد السياسي للإمبراطورية الثانية.

استقبلها الخديوي إسماعيل باشا بحفاوة كبيرة، كما استقبل بقية الضيوف القادمين إلى مصر للمشاركة في الاحتفالات. وكان إسماعيل يريد أن يجعل من افتتاح قناة السويس مناسبة تُظهر مصر في صورة دولة حديثة قادرة على استضافة كبار حكام العالم، ولذلك أنفق بسخاء على المشروعات والمنشآت والاحتفالات المرتبطة بهذه المناسبة.

وكان من أبرز المنشآت التي ارتبطت بزيارة أوجيني قصر الجزيرة، الذي شُيد في جزيرة الزمالك على النيل. وقد اختار إسماعيل الجزيرة موقعًا للقصر الذي كان من المقرر أن يستضيف الإمبراطورة الفرنسية خلال احتفالات افتتاح القناة. وتؤكد محفوظات متحف المتروبوليتان أن القصر بُني لاستضافة أوجيني، ثم استُخدم لاحقًا لاستقبال عدد من كبار الضيوف، قبل أن يتحول بعد ذلك إلى فندق.

كان القصر فخمًا ومزخرفًا على الطراز الذي كان إسماعيل يفضله، إذ كان الخديوي يسعى إلى جعل القاهرة مدينة ذات مظهر أوروبي حديث. ولم تكن إقامة أوجيني في مصر مجرد زيارة قصيرة لحفل واحد؛ فقد شاركت في سلسلة من الرحلات والاحتفالات التي أُعدت للضيوف القادمين من الخارج، وشاهدت خلال وجودها في مصر عددًا من آثارها ومعالمها التاريخية. وتذكر مصادر مصرية أنها وصلت إلى الإسكندرية في أكتوبر 1869، قبل أن تنتقل إلى القاهرة والمناطق الأخرى.

وكان افتتاح قناة السويس نفسه حدثًا استثنائيًا. فقد حضر الاحتفالات نحو ستة آلاف مدعو من الشخصيات البارزة، بينهم الإمبراطور النمساوي فرانسوا جوزيف، وولي عهد بروسيا، إلى جانب أوجيني وغيرها من الشخصيات الدولية. وفي السابع عشر من نوفمبر دخلت السفن القناة في موكب احتفالي، وكانت السفينة L'Aigle، التي حملت الإمبراطورة أوجيني وعددًا من كبار الضيوف، في مقدمة الموكب.

لكن ذلك البريق كان يخفي وراءه مشكلة مالية ستصبح لاحقًا واحدة من أخطر أزمات الدولة المصرية في القرن التاسع عشر.

كان إسماعيل قد تولى حكم مصر سنة 1863، وبدأ مشروعًا واسعًا لتحديث البلاد وتوسيع البنية التحتية وتحويل القاهرة إلى مدينة حديثة. وشملت مشروعاته الطرق والمنشآت والمواصلات والمباني العامة، إلى جانب الإنفاق الكبير على المناسبات الرسمية واستقبال الشخصيات الأجنبية.

ولتمويل هذه المشروعات، لجأ إسماعيل بصورة متزايدة إلى الاقتراض الخارجي. ومع مرور السنوات، أصبحت خدمة الديون عبئًا ثقيلًا على الخزانة المصرية، وبدأت القوى المالية والسياسية الأوروبية تكتسب نفوذًا متزايدًا في الشؤون المالية المصرية. وتظهر وثائق دبلوماسية أمريكية من تلك الفترة أن أزمة الديون كانت قد وصلت إلى مرحلة خطيرة بحلول منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، وأن إعادة تنظيم الدين المصري أصبحت قضية دولية.

وفي الوقت نفسه، لم يكن الإنفاق على احتفالات افتتاح قناة السويس تفصيلًا صغيرًا في هذه القصة. فقد ذكرت هيئة قناة السويس أن الخديوي إسماعيل أنفق نحو مليون ونصف المليون جنيه مصري على احتفالات الافتتاح، وهو رقم كبير جدًا بالنسبة إلى ذلك العصر. والمهم هنا أن الرقم كان بالجنيه المصري، لا بالجنيه الإسترليني كما تذكر بعض الروايات المتداولة.

وكان من مظاهر طموح إسماعيل الثقافي إنشاء دار الأوبرا الخديوية في القاهرة. لكن إحدى أشهر القصص المرتبطة بها تحتاج إلى تصحيح أيضًا. فكثيرًا ما يُقال إن أوبرا عايدة عُرضت في افتتاح قناة السويس، وهذا غير صحيح. فقد افتُتحت دار الأوبرا الخديوية عام 1869 بعرض أوبرا ريغوليتو لفيردي، بينما عُرضت عايدة للمرة الأولى في القاهرة في ديسمبر 1871، بعد تأخر وصول الملابس والديكورات بسبب الحرب الفرنسية البروسية.

وهكذا، فإن الصورة التي بقيت من عام 1869 ليست مجرد صورة إمبراطورة أوروبية تجلس في قصر فخم على ضفاف النيل، وإنما صورة مصر بأكملها وهي تحاول أن تقدم نفسها للعالم بوصفها دولة حديثة، في وقت كانت فيه تكلفة هذا الطموح تتراكم في حساباتها المالية.

وبعد سنوات قليلة، ظهرت النتائج بوضوح.

في عام 1875، وفي ظل الأزمة المالية المتفاقمة، اضطر إسماعيل إلى بيع حصة الحكومة المصرية في شركة قناة السويس إلى بريطانيا. وكانت الحصة تتكون من 176,602 سهمًا، واشترتها الحكومة البريطانية مقابل 3,976,580 جنيهًا إسترلينيًا، أي ما يقارب أربعة ملايين جنيه إسترليني. وقد أصبحت هذه الصفقة واحدة من أهم نقاط التحول في تاريخ النفوذ البريطاني في مصر.

لم يكن بيع الأسهم حلًا نهائيًا للأزمة. ففي عام 1876 أُنشئت لجنة الدين العام المصرية، أو Caisse de la Dette, وأصبحت إيرادات مصر تخضع بصورة متزايدة لرقابة ممثلي الدائنين والقوى الأوروبية. ثم اتسع نطاق التدخل، فظهر ما عُرف لاحقًا باسم الرقابة الثنائية البريطانية الفرنسية على المالية المصرية. وتوضح المصادر التاريخية أن هذه الترتيبات جعلت جزءًا كبيرًا من إيرادات الدولة المصرية تحت رقابة دولية مباشرة.

وبحلول عام 1876، كان الدين الموحد الذي أعيد تنظيمه يقدر بنحو 91 مليون جنيه إسترليني وفق وثائق تلك الفترة، مع ترتيبات مالية معقدة لاستبعاد بعض الالتزامات وإعادة تنظيم الباقي. كما فُرض على مصر نظام جديد للرقابة على الإيرادات والنفقات، وأصبح مسؤولون بريطانيون وفرنسيون جزءًا من إدارة المالية المصرية.

وهنا أصبحت المسألة أكبر من مجرد ديون.

فكلما ازداد اعتماد مصر على القروض، ازداد نفوذ الدائنين الأجانب، وكلما ازدادت صعوبة سداد الديون، اتسع التدخل الأوروبي في إدارة الدولة. وهكذا بدأت الأزمة المالية تتحول تدريجيًا إلى أزمة سيادة.

وفي عام 1878 توسعت الرقابة الأجنبية أكثر، وفرضت ترتيبات جديدة على إدارة البلاد ومالية الخديوي. حاول إسماعيل استعادة قدر من السيطرة على الحكم، لكن الصراع بينه وبين القوى الأوروبية لم يعد مجرد خلاف داخلي.

وفي يونيو عام 1879 وصلت الأزمة إلى نهايتها السياسية. تعرض إسماعيل لضغط شديد من القوى الأوروبية، وفي السادس والعشرين من يونيو أصدر السلطان العثماني قرارًا بعزله من منصب الخديوي، وتولى ابنه محمد توفيق باشا الحكم خلفًا له. وتؤكد الوثائق الدبلوماسية المعاصرة أن إسماعيل عُزل في ذلك التاريخ وأن توفيق أصبح خلفه.

وهكذا انتهى عهد إسماعيل كما بدأ: بمشروع ضخم وطموح كبير ورغبة في جعل مصر دولة حديثة ذات حضور عالمي، لكن النهاية حملت معها أزمة مالية عميقة وتدخلًا أوروبيًا متزايدًا في شؤون البلاد.

أما الإمبراطورة أوجيني، فقد عادت إلى أوروبا بعد احتفالات قناة السويس، وظلت زيارة مصر عام 1869 واحدة من أشهر فصول حياتها. وبعد أقل من عام، تغير عالمها هي أيضًا بصورة جذرية؛ ففي عام 1870 انهارت الإمبراطورية الفرنسية بعد هزيمة نابليون الثالث وأسره في الحرب الفرنسية البروسية، وانتهى بذلك حكم أسرتها في فرنسا.

أما إسماعيل، الذي أراد أن يجعل من مصر دولة تضاهي أوروبا في عمرانها ومظاهرها الحديثة، فقد وجد نفسه بعد سنوات قليلة أمام دولة مثقلة بالدين، ومالية تخضع للرقابة الأجنبية، ثم اضطر إلى مغادرة الحكم.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل قصة افتتاح قناة السويس أكثر من مجرد حكاية عن القصور والاحتفالات.

ففي عام 1869، بدت مصر أمام العالم في صورة بلد غني وطموح، تستقبل الإمبراطورات والأباطرة وتفتح أعظم ممرات الملاحة في عصرها. وبعد سنوات قليلة فقط، أصبحت أزمتها المالية إحدى أهم بوابات التدخل الأوروبي في شؤونها.

لم يكن القصر وحده هو الذي صنع التاريخ، ولا الاحتفال وحده هو الذي غيّر مستقبل مصر؛ وإنما كانت القرارات المالية التي اتخذت خلف ذلك المشهد هي التي تركت أثرًا أعمق وأطول عمرًا.

كانت قناة السويس إنجازًا تاريخيًا عظيمًا، وكانت مشروعات إسماعيل جزءًا مهمًا من تحديث مصر، لكن الاقتراض المفرط وشروط الديون والتدخل الأوروبي في المالية المصرية حوّلوا الأزمة المالية إلى أزمة سياسية وسيادية. وفي هذا السياق ينبغي فهم سقوط إسماعيل، ثم تصاعد النفوذ الأوروبي في مصر خلال العقود التالية.

ولذلك فإن الدرس الأهم في هذه القصة ليس أن كل مظاهر البذخ كانت وحدها سببًا في خراب مصر، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك، وإنما أن الطموح السياسي والاقتصادي حين يقترن بالاقتراض المفرط وضعف القدرة على السداد قد يتحول من مشروع للتحديث إلى مدخل لفقدان جزء من القرار السيادي.

وهكذا بقيت صورة أوجيني في ذاكرة افتتاح قناة السويس مرتبطة بعصر من البريق الإمبراطوري، بينما بقيت وراء ذلك البريق قصة أخرى: قصة الديون، والرقابة الأجنبية، وتراجع استقلال القرار المالي المصري، وهي قصة كان أثرها أبعد بكثير من أيام الاحتفال نفسها.

بين الحقيقة و الأسطورة

لكن قصة أوجيني وإسماعيل لم تسلم من الروايات التي نسجها الخيال الشعبي حولها. فقد انتشرت خلال العقود الماضية حكايات تقول إن إسماعيل كان واقعًا في حب الإمبراطورة منذ شبابه، وإنه بنى قصر الجزيرة خصيصًا لها، وزرع أشجار الكرز تحت نوافذها لأنها كانت تحبها، كما تتحدث روايات أخرى عن غرفة نوم من الذهب الخالص تتوسطها ياقوتة حمراء نُقشت حولها عبارة عاطفية موجهة إليها، بل وتربط بعض الحكايات إنشاء طريق الأهرام بزيارة أوجيني.

غير أن هذه التفاصيل لا ينبغي التعامل معها بوصفها حقائق تاريخية ثابتة. فبعضها ورد في مصادر صحفية وسرديات شعبية حديثة، لكن لا تتوافر لكل هذه الروايات وثائق تاريخية أولية أو أدلة أكاديمية كافية تثبتها. بل إن دراسة حديثة عن قصور القاهرة تشير صراحة إلى أن الرواية الرومانسية المتعلقة بمشاعر إسماعيل تجاه أوجيني لا يمكن التحقق منها، مع ثبوت أن قصر الجزيرة اكتمل في الوقت المناسب لاحتفالات افتتاح قناة السويس وأن أوجيني أقامت فيه خلال زيارتها.

لذلك، فإن الثابت تاريخيًا هو أن إسماعيل أولى الإمبراطورة أوجيني اهتمامًا كبيرًا خلال زيارتها لمصر، وأنها أقامت في قصر الجزيرة، وأن القصر كان جزءًا من الاستعدادات لاستقبال كبار الضيوف في احتفالات افتتاح قناة السويس. أما تحويل هذه الوقائع إلى قصة حب مكتملة التفاصيل، أو الجزم بأن كل منشأة أو هدية أُعدت بدافع عاطفي، فيبقى خارج نطاق ما يمكن إثباته تاريخيًا. وتؤكد وزارة السياحة والآثار المصرية ارتباط قصر الجزيرة بزيارة أوجيني، كما تذكر أنها تلقت غرفة نوم من الذهب الخالص، لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات كل التفاصيل الرومانسية التي أضيفت إلى القصة لاحقًا. 


 المصادر:
1. شخصيات لها تاريخ — محمد حسنين هيكل
مصر الحديثة — ألفريد بتلر
2.تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل — جورج كرزون
3. مصر تحت حكم إسماعيل — إيثيل تويس جوليه
تاريخ مصر في العصر الحديث — رؤوف عباس

غاليتي .. نص الكاتبة أمل نايف خنفر

 

غاليتي  .. نص الكاتبة أمل نايف خنفر

لا تعطي الحب لمن يعبر

أياما في العمر و يقهر


من فيض مشاعرك تعطي
يتسلى وقتا أو أكثر

يعجبه اللحن و يعزفه
بغرام مشبوه يفخر

تغريه أيا نُون النسوة
و بكل ضفير يتستر

تهديه سنينا غالية
يهديك الغدر و يتقهقر

لن يركب قارب نجدتك
سيقول ظروفي كم تجبر

يتحجج في قدَر جاثم
يلهو بالحب و كم يسخر

لا تشرعي جنّتك لذئب
يهواك عبثا .. يتندّر

لن يرسم حلمك في يوم
لن يبكي فقدك أو يسهر

سيمرّ خيالك في يوم
يمحوه بعاشقة أصغر

يفتعل مشاكل واهية
فالملل من مثلك أكبر
و يقول وداعا يا حبي
في الجنة عرسك يا سكر

في الدنيا مالي من أمل
فوصالك خطر يتنمّر

سيكون نصيبك في الدنيا
وعد مشؤوم كم يُنكر

مثلي يا قمري مبتور
لا يقوى وصلا يتكرر

و تظلي تناجي طلته
و هو مع غيرك يتهور

فأوانك ماضٍ ٍ لا بد
تعجبه الأحلى و الأجدر

كوني جوهرة لا ترضى
ذلا و هوانا أو خنجر 

ألعاب البراءة الفاترة نص الكاتبة دارين نور

ألعاب البراءة الفاترة
 

أتعرف ياغرامي في طفولتنا سرقتنا الألعاب كنا نجلس على ظهر الأحلام متلحفين أنفسنا مطبقين الجفون بعيد عن ختان لدغ أصابع الأمهات بين الفخذين كعقاب نافذ كوني مستيقظة إن تبللت مشاعرنا بنشوة الحلم وغفونا في حجرة القلب باكرا. إن إتسخت اقمشة أحلامنا بدموع الخسائر الحميدة

تدق الصبايا أبواب كفوف بعضهن فمنهن من ترسم لعبة الخطوط المربعة لماكيت مقنن عن بيت من رمال وكل واحدة تقف على ساق قلب مبتورة والساق الأخرى ثابتة لاتخرج من بيت اليقظة من حينها أدركنا أن البيوت تعمر بقفزات الأرانب مثل انتفاخ القلوب بالعشق عَرق القبول للهفة في الظهيرة نضم ساق بجانب أختها حتى لاتلحق بنا شهادات الخيبة

أننا الصبايا لانجيد إلا الجري على ريق الوقت لنلاحق بائع الألوان المجمدة

فتظهر فرحتنا كأنها فساتين قصيرة الزمن في المغربية تسكن القرية قن سكاتها الثرثار إلا عن حيوات البنات أواني تحتفي بمشاعر قؤولة النكهة لا تصل نشوان ملاعقها لأفواه إذن الأمهات المفتوحة على مصراعيها

فتخزن أملاح الألسنة في أكواب النظرات الصاخبة لسنوات العمر القادمة نقف أمام المرايا ندلك كلثوم وجهنا ونرفع حمالات التمني لصدرنا المتأهبة للنفور من طوق وأسورة البيت فيما لمس أصبع اليد فعلا غائر الشرود نجلس في بؤبؤ الأمهات بمفارش بالغة الدقة والتعقيد لعادات موروثة نصبع كقوفنا بعرس الحناء وصبر بلغ الذروة الصهد كأن نظرات الحنان الطويلة أذرع مشدوهة لضم جدتي قصت خصلات شعري الناعمة في زمن براءتي البكر خشية الحسد قالت اليوم ستخرج من رأسها حديقة فكلما احتضنت أمي رأس قلبها الحليق قطفنا الثمار المالحة من عينيها لا أعلم لما. الآن حين أشتاق لك أتذكر مقص جدتي.


وأودعتُ قلبي في مسراه .. نص الأديبة شنّة فوزية - ميس -

وأودعتُ قلبي في مسراه  .. نص الأديبة شنّة فوزية - ميس -

 وأودعتُ قلبي في مسراه...

وكان عليَّ للراحةِ أن أستكينَ، أُعدِّلُ مزاجي بفنجانِ قهوة، أُحدِّثُ نفسي عن نفسي مرارًا، أُحاولُ الولوجَ، وبكَ أستعين. أيَا قلبي، هل صار عليَّ لزامًا أن أنحني؟ أم إنِّي أفرطتُ في جلدِ الرُّوحِ اللعينة؟ أنا ما كنتُ يومًا ضحيَّة، وما قلتُ إنِّي على عرشِ المُلكِ مَلِكة. أنا ودَّعتُ الديارَ حين اتَّخذتَ الظُّلمَ سلاحًا، حين صار الحنينُ إليكَ جراحًا، حين أيقنتُ أنَّكَ لم تكن بقربي صباحًا. أنا لم أنَمْ بعد... لم أُغمِضْ عينيَّ قطّ. أنا لستُ متعبة. أنا لم أنَمْ بعد، لكنِّي لا أشعرُ بالتعب. أُحرِّكُ أسبابَ الحياةِ لأوقدَ في قوَّةِ اللهب. مَن كان يرى أنِّي بدونِ علمٍ وأحتاجُ إلى سندٍ، فقد جانبَ الصواب؛ فليستِ الحياةُ بالرُّتب. صغارُ العقولِ في الشدائدِ تُدَكُّ حصونُهم، أمَّا الكبارُ، وما كبيرٌ إلَّا بالعقل، ففي صمتٍ يترقَّب. سئمتُ الخلاف، سئمتُ النقاش. تعلَّمتُ الصمتَ، وفي صمتي كلام. تعلَّمتُ ألَّا أردَّ على قومٍ لئام. تعلَّمتُ أن أجلسَ، وإلى أحوالي أُصغي. تعلَّمتُ أنَّ الحياةَ بيان، وأنَّها لم تكن يومًا أمانًا. تعلَّمتُ الشكَّ والحيرة، واليقينَ والغيرة. تعلَّمتُ أنَّ كلَّ الذي مرَّ سراب، وعذابٌ في صورةِ عتابٍ تجاوزَ كلَّ مرَّة. وصرتُ أُدندِنُ على أوتارِ أوجاعي، أقولُ كلامًا طال سكونُه فيَّ. حين يدفعني الوجعُ إلى منتهاه، أرفعُ صوتي، أُعرِّي جرحي الذي لم أنسَه. أُغنِّي لأنِّي إليه أحنُّ، ولا أحدَ سواه.

غـزّة بين اليأس و الأمل .. نص د.إيناس فضل الله عجينة

 غـزّة بين اليأس و الأمل .. نص د.إيناس فضل الله عجينة

بين رهبة الموت، والتشبث بالأمل في الحياة، أقف حائرة، وأسأل نفسي مرارًا: هل ضاقت الأرض بما رحبت حتى نصل إلى مرحلة نرفض فيها العلاج؟

كانت مناوبة الليلة الماضية مختلفة؛ مليئة بالضغط النفسي أكثر من الجسدي، لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذهني تلك الحالة التي لم أستطع تجاوزها بسهولة.
سيدة في التسعين من عمرها، فاقدة للوعي. لم تكن هذه المرة الأولى التي تدخل فيها المستشفى؛ فقد كانت تتردد عليه منذ نحو شهرين. أتذكرها جيدًا، فقد كان دخولها السابق بسبب التهابات شديدة في الرئة.
هذه المرة جاء بها أبناؤها بعدما فقدت وعيها. وبعد أخذ التاريخ المرضي والاطلاع على التحاليل، بدا أنها تعاني من تسمم دموي شديد.
كانت تفيق أحيانًا من غيبوبتها، تدخل في حالة من الهياج والغضب، مع حركات لا إرادية وعنيفة، ثم تعود إلى النوم من جديد.
أنهيت إجراءات دخولها إلى القسم، وأوصيت المرافقات بتسليم أوراقها إلى تمريض القسم، ثم ذهبت لأرتشف القليل من القهوة وألتقط أنفاسي.
بعد نحو ساعة، عدت وسألت التمريض عنها.
فكانت الإجابة:
«لم تأتِ أي سيدة إلى القسم حتى الآن، رغم أن تمريض الاستقبال أبلغنا بوجودها.»
ذهبت إلى الاستقبال… لم أجدها.
وقفت هناك، وقلبي يخفق بشدة، والسؤال يلحّ في رأسي:
لماذا؟!
لماذا رحلوا بها؟
هل هو اليأس من الشفاء؟
أم التعب من كثرة المحاولات؟
أم فقدان الشغف في الاستمرار بالعلاج بعد أشهر طويلة من المرض؟
أم لأن أبناءها، أمام ضعفها وكبر سنها، فقدوا الأمل فيها؟
أم لأن المنظومة الصحية نفسها أصبحت عاجزة، في ظل ما نسمعه ونراه من شحّ في الأدوية والعلاجات والإمكانات؟
لا أعرف.
لكن ما أعرفه أن المشهد كان مؤلمًا جدًا.
مؤلم أن يقف الإنسان بين واجبه كطبيب، ورغبته في إنقاذ حياة، وبين واقع قد يكون أقسى من كل محاولات الإنقاذ.
ومؤلم أكثر أن تصبح بعض الأرواح معلقة بين رغبة في الحياة، ويأسٍ من إمكانية الوصول إليها.
ربما لم يكن السؤال الحقيقي: لماذا لم تكمل العلاج؟
بل كان: متى يصل الإنسان إلى النقطة التي يفقد فيها القدرة على الاستمرار في المحاولة؟
ننتظر فقط أن يتغير هذا الحال…
أن تعود للطب إنسانيته، وللمستشفى قدرته على الاحتواء، وللمريض حقه في أن تُبذل من أجله كل فرصة ممكنة.
فبعض المشاهد لا تنتهي بانتهاء المناوبة…
بل تبقى في القلب، وتعيد نفسها في الرأس مرارًا، وتترك سؤالًا موجعًا لا نجد له إجابة.