بعض مني/ الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)

بعض مني/ الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)


 لا أعرف كيف أشرح لك ما يحدث في داخلي حين تكون قريبًا مني.

هناك أشياء أشعر بها تجاهك، وكلما حاولت أن أضعها في كلمات، شعرت أن الكلمات أصغر من أن تحملها.

أنت لم تكن شخصًا قررت أن أحبه، ولم أنتبه في لحظة محددة إلى أنني وقعت في حبك.
حدث الأمر بهدوء شديد، لدرجة أنني لم أكتشفه إلا بعدما أصبحت أبحث عنك في تفاصيل يومي دون أن أشعر.

صرت أفرح حين أراك، حتى لو لم يحدث بيننا شيء يستحق أن يُروى. يكفيني أحيانًا أن تمر أمامي، أن تقول كلمة عابرة، أن تبتسم، أو حتى أن تلتقي عيناك بعينيّ للحظات. الغريب أن الأشياء الصغيرة منك لا تبدو صغيرة بالنسبة لي. قد تقول شيئًا وتنتهي اللحظة بالنسبة إليك، بينما تظل كلمتك عالقة في رأسي بقية اليوم. وقد تبتسم ابتسامة عادية جدًا، ثم أجد نفسي أتذكرها في وقت لا علاقة له بك. ربما لأنني لم أعد أراك كما يراك الآخرون. أصبحت ألاحظ تفاصيلك التي ربما لا تنتبه إليها أنت أصلًا. طريقة حديثك، نبرة صوتك، نظراتك حين تصمت، وحتى الأشياء التي تفعلها دون قصد. وأحيانًا أتساءل: متى أصبح وجودك بهذا الحجم في حياتي؟ متى انتقلت من مجرد شخص أعرفه إلى شخص أنتظر رؤيته؟ ومتى أصبحت أفتقدك دون أن يكون بيننا وعد يجعل لي حق الاشتياق؟ لا أعرف. كل ما أعرفه أنني حين أراك، يحدث شيء بسيط في داخلي... شيء لا أستطيع تفسيره، لكنه يجعل اليوم أخف. وأحب تلك اللحظات التي تلتقي فيها أعيننا، حتى لو كانت قصيرة. لأن هناك نظرات لا تحتاج إلى شرح، نظرات تقول للقلب شيئًا لا تستطيع الشفاه قوله. وربما لهذا السبب أخاف أحيانًا من عينيك أكثر من كلامك. أخاف أن تكشفا ما أحاول أنا بكل هدوء أن أخفيه. أنا لا أريد حبًا يجعلني في حالة سؤال دائم. لا أريد أن أقضي لياليّ وأنا أحاول تفسير كلمة، أو نظرة، أو صمت. أريد شيئًا بسيطًا وواضحًا. أريد أن أشعر بالأمان وأنا أحبك، وأن أعرف أنني لست وحدي في هذا الشعور. أريد أن أستطيع أن أقول لك إنني اشتقت إليك دون أن أفكر كثيرًا قبل أن أرسلها. أن أقول لك إن وجودك يعني لي شيئًا، دون أن أخاف من أن أكون قد قلت أكثر مما ينبغي. ولست أبحث عن حب مثالي؛ أبحث عن حب صادق فقط. حب لا يجعل أحدنا مضطرًا إلى التظاهر بأنه لا يهتم، بينما قلبه يفعل العكس تمامًا. ولعل أكثر ما يؤثر فيّ أنك جعلتني أكتشف جانبًا من نفسي لم أكن أعرفه. أنا التي كنت أظن أنني أستطيع السيطرة على مشاعري، أصبحت أنتظر لقاءً عابرًا، وأتذكر كلمة قيلت في دقائق، وأبتسم وحدي بسبب موقف ربما لم تنتبه إليه أصلًا. وهذا أكثر ما يربكني في الأمر. أنك لا تفعل شيئًا استثنائيًا، ومع ذلك تترك في قلبي أثرًا استثنائيًا. ولو سألتني يومًا: ماذا وجدتِ فيّ حتى أحببتني بهذا الشكل؟ ربما لن أجد جوابًا مرتبًا. سأقول لك فقط إنني وجدت شيئًا شعرت به ولم أعرف كيف أسميه. وجدت راحة غريبة في وجودك، وألفة لا أعرف من أين جاءت، وشيئًا يجعلني أشعر أنني لست مضطرة لأن أكون شخصًا آخر حين أكون بقربك. وجدت فيك ذلك الشعور الذي لا يأتي كثيرًا في حياة الإنسان. الشعور الذي يجعلك لا تريد من الشخص شيئًا كبيرًا، سوى أن يبقى. أن يبقى قريبًا، وأن تكون الأيام لطيفة بما يكفي كي لا تأخذه بعيدًا. وأصدق ما يمكنني قوله لك الآن هو أنني أحبك بطريقة أكبر من قدرتي على شرحها. لذلك أكتب. لأنني لو وقفت أمامك وقلت كل ما في قلبي، ربما ستفضحني عيناي قبل أن تكمل الكلمات طريقها. وربما لن أقول لك كل شيء أصلًا. سأكتفي بالنظر إليك قليلًا، وأبتسم، وأترك لك أن تفهم وحدك أن هناك شخصًا في هذا العالم أصبح وجودك يعني له أكثر مما تتخيل. وأنا...
كنت ذلك الشخص.

​جغرافيا الحنين: هل نسكن الأماكن أم تسكننا الذكريات؟ - الكاتبة مريم جابري

​جغرافيا الحنين: هل نسكن الأماكن أم تسكنا الذكريات؟


​حين نغادر مكاناً ما، نتوهم بغرور أننا فارقناه؛ فنظن أن الأمتعة المضبوبة والمسافات الفاصلة قادرة على بتر حبل الوجود الممتد بيننا وبينه. غير أن الفينومينولوجيا، بتأملاتها العميقة في إدراك الجسد والفضاء، تصدمنا بالحقيقة الأوجع: نحن لا نترك الأماكن وراءنا، بل هي التي تتخذ من أجسادنا مستقراً، وتحفر في أعماقنا إحداثياتها السرية.

​فالمكان ليس مجرد مساحة صماء تحاصرها الجدران، بل هو "امتداد عضوي للذات". عطر عالق بزاوية منسيّة، ملمس ضوء شمس الأصيل على نافذة قديمة، أو صدى خطوات غائرة على بلاط بارد؛ تفاصيل لا تُختزل في عدسة البصر، بل تُطْبَع في الذاكرة الحياتية للجسد. وحين يباغتنا ذلك الحنين المفاجئ لنيل تفاصيل يبدو ظاهرها تافهاً، فنحن لا نبكي الحجارة، بل نبكي أجزاءً منا توقفت هناك، كأنما تركت أرواحنا معلقة على مشاجب الغياب، تأبى العودة.

​من هنا يتشظى السؤال الجذري: أهو الحنين (Nostalgia) شوق حقيقي لزمن انقضى وانطوى، أم أنه حنين لحالة شعورية فريدة استقرت في قاع الوعي؟

​حين نغوص في العيادة النفسية وتحليلات الوعي، نكتشف أن الحنين ليس مجرد رغبة رومانسية في العودة للماضي، بل هو "ميكانيزم دفاعي" واقي يلجأ إليه العقل هرباً من صدمة الحاضر واغترابه. فعلى مستوى البناء النفسي، يعيد الإنسان صياغة ذكرياته ليخلق "وطناً افتراضياً" آمناً، يرمم فيه شروخ واقعه اليومي. نحن لا نحمل الأيام كما عاشرتنا بمرارتها، بل نحمل "صصورتها المصفاة"؛ تلك الكثافة الشعورية التي صاغت صفاءنا الأول قبل أنثاق الصراعات وتآكل الروح بيوميات الحداثة السائلة.

​وعلى الصعيد الفلسفي الوجودي، يتحول الحنين إلى نوع من "الحداد الخفي"؛ إنه إقرار صامت بأننا كائنات عابرة، وأن الزمن يلتهم كل ما نحب. الذكريات ليست مجرد ألبوم غبار وأوراق باهتة، بل هي "السلطة الخفية" التي تعيد هندسة أرواحنا بصمت، والكهف الأخير الذي نلوذ إليه كلما ضاقت بنا سعة العالم. إننا نتحسر لأننا ندرك بالفطرة أن تلك اللحظة الفريدة لا تترجم إلى صيغة تكرارية؛ فالزمن لا يعود للوراء، وكل ما نملكه هو صدى الأثر. ​وما سر هذا الحنين إلا قدرته المزدوجة على الإيلام والتعزية؛ فهو يدمينا لأنه يذكرنا بما استحال استرجاعه، وفي ذات اللحظة، يدفئنا لأنه الدليل القاطع على أننا أحببنا بصدق، وأن أعماقنا كانت قابلة للاحتضان.
​تلك هي جغرافيا الروح الحقيقية: مساحات لا تُقاس بالأميال، بل بالأثر الذي تتركه الأشياء حين تمر بنا. فنحن لسنا سوى محصلة للأماكن التي سكنتنا، والذكريات التي ترفض أن ترحل، حتى وإن توهمنا يوماً أننا في مهب النسيان راحلون.

كرامتك ليست ثمنا للرزق -عبدالله جمعة المشايخي


كرامتك ليست ثمنا للرزق  عبدالله جمعة المشايخي

جاءت الشريعة الغراء متممة لمكارم الأخلاق، ليرتقي بها الإنسان ويحيا بعزة ترفع شأنه بين الأمم. وإن ابتغينا غير ذلك، أذلنا الله ذلة يسخر منها أرذل الأقوام. وما أعز الإنسان حين يكون زاهدا ورعا، يخشى أن يتسلل إلى نفسه الكبر، فيطغى ويظلم خلق الله في البر والبحر والسماء.
بالأمس حدثني أ.ن عن قصته. كان يعمل في مؤسسة خاصة بإحدى الدول العربية، وسأكتفي بالإشارة إليه بهذا الرمز حتى يتسنى لي الحديث بحرية.
قال لي: «لقد انقشعت عني الحقيقة يا عبدالله. طوال مسيرتي العملية بقيت في مكاني، حتى غدوت ككيس ملاكمة ودمية للصفع؛ كل من مر بي ألقى علي من الشتائم والإهانات ما شاء. وكانت تسند إلي أعمال وهمية لا تنتفع منها المؤسسة، وإنما كانت تكلف بها من باب العبث والتسلية. نقلت بين دوائر عدة، وكأنني عبد جيء به ليرفه عن أسياده.
كنت أموت في اليوم ألف ميتة، وأخشى حتى أن أتكلم، مخافة أن تنقلب الآية علي فأفقد عملي. وكان كل يوم يمضي من عمري يكشف لي، دون أن أدرك، مقدار ما كنت أظلم به نفسي حين أصمت تحت وطأة الاستبداد.
وفي إحدى المرات، عدت من العمل مثقلا بالانكسار، أبكي ضعفي وقلة حيلتي. أخرجت هاتفي، وأخذت أقلب المقاطع القصيرة حتى مر بي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه». قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: «يتعرض من البلاء لما لا يطيق».
أقسم لك يا عبدالله، كأن ماء باردا انسكب على قلبي في تلك اللحظة. أدركت أن القرب من الله ليس صورة نظهرها لأنفسنا، ولا شعورا زائفا بالتقوى، بل بصيرة تعيد للإنسان وعيه بنفسه وكرامته. كنت أظن أنني من أتقى الناس، ثم اكتشفت أنني، مع محافظتي على فرائضي، كنت ضعيفا في مواضع كان ينبغي لي فيها أن أكون أكثر وعيا وثباتا.
بدأت أخالط الناس، وأستمع إليهم، وأتعلم منهم، حتى صرت أقوى فهما وأثبت موقفا. ومنذ ذلك الحين، أخذت أرى هشاشة أولئك الذين كانوا يتسلطون علي، بعد أن كنت أتوهم فيهم قوة لا ترد. وشيئا فشيئا، تبدلت ملامحي؛ لم أعد ذلك الرجل المنكسر، بل صار في وجهي شيء من العزة التي افتقدتها طويلا.
ثم جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أن المؤسسة قائمة على تجاوزات خطيرة وجرائم في حق المجتمع والدولة. هذه المرة لم أتراجع، ولم أستسلم للخوف كما كنت أفعل من قبل. أبلغت الجهات الأمنية بما أعلمه، وتعاونت معها فيما طلب مني.
ولا أنسى ذلك المشهد حين حاول المدير تسلق السور هربا من رجال الأمن. يومها فقط أدركت كم كنا نخطئ حين نظن أن كل متسلط قوي؛ فقد يكون أكثر الناس صراخا وسطوة، وأضعفهم حين تأتي ساعة الحقيقة».
أما اليوم، فيعمل أ.ن مندوبا لتوصيل الطعام، ويقول إنه يعيش في غاية الرضا والسعادة، على ما يحيط به من ضيق الحال والعوز. وكلما شعر بالانكسار، تذكر ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع، فيستعين بالله ويمضي راضيا مطمئنا.
إن كنت تؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تضعف حتى تسلك مسالك الذلة؛ فرزقك قد كتب لك، فلا تكتم الحق خشية مخلوق فتظلم غيرك، ولا تتوان عن الدفاع عن نفسك، فإن لنفسك عليك حقا.
خلقت لتكون عبدا لله وحده، لا عبدا لمخلوق جائر. فلا تجعل خوفك على رزقك يسلب منك كرامتك، ولا تجعل حاجتك إلى الناس تحملك على الصمت عن ظلمهم. قد يضيق عليك الرزق، وقد تفقد منصبا أو مالا أو مكانة، ولكن ذلك أهون من أن تفقد نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ بها.

رواية «مرَّ بي كالعمر» لنسرين الهمام

 

رواية «مرَّ بي كالعمر» لنسرين الهمام.. حين يتحول اللقاء العابر إلى عمر كامل

رواية «مرَّ بي كالعمر» لنسرين الهمام




تأخذنا رواية «مرَّ بي كالعمر» للكاتبة نسرين الهمام إلى حكاية عاطفية تتقاطع فيها مشاعر الحب والاغتراب والحنين مع سلطة العائلة والعادات والتقاليد، لتطرح سؤالًا إنسانيًا عميقًا: هل يكفي الحب وحده حتى ينتصر الإنسان لما يريده، أم أن بعض القصص تأتي إلى حياتنا لتترك أثرها، ثم ترحل دون أن تمنحنا النهاية التي تمنيناها؟

الرواية، الصادرة سنة 2025، تقوم على حكاية أميرة وفارس؛ شخصين يلتقيان في الغربة، في مكان عادي، وفي ظروف تبدو عابرة، لكن ذلك اللقاء يتحول تدريجيًا إلى علاقة عاطفية عميقة تعيد تشكيل حياة كل منهما.

وتصف الرواية نفسها بأنها ليست مجرد قصة حب، وإنما حكاية عن اللقاء والشوق والرحيل والكلمات التي لم تُقل والقلوب التي تعلقت رغم الفراق. كما تحمل في جوهرها رسالة عن أثر العلاقات الإنسانية في حياتنا، حتى عندما لا تنتهي كما كنا نتمنى.

بداية الحكاية.. لقاء في قلب الغربة

تبدأ أحداث الرواية في كندا، حيث تعيش أميرة تجربة الدراسة والعمل في الوقت نفسه. فهي طالبة ماجستير في الآداب والتربية، وتشارك في أعمال إنسانية تهتم بتعليم الأطفال المتسربين من الدراسة، كما تعمل في إذاعة «صوت كندا بالعربي» وتقدم برنامجًا أسبوعيًا يتناول القضايا السياسية العربية.

في أحد الأيام، تجلس أميرة مع مجموعة من زملائها العرب في مقهى قريب من الجامعة، بينما يحتدم بينهم النقاش حول أزمة سياسية عربية. وفي وسط النقاش، تتدخل أميرة داعية إلى التهدئة والتذكير بأن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة بين الشعوب والأصدقاء.

هناك تسمع صوتًا رجوليًا هادئًا من خلفها يعلّق على كلامها، فتلتفت لتجد أمامها رجلًا يلفت انتباهها منذ اللحظة الأولى.

ذلك الرجل هو فارس.

كان اللقاء قصيرًا، لكن أثره في أميرة لم يكن قصيرًا. ومنذ اللحظة الأولى، تمنح الرواية للقاء معنى يتجاوز المصادفة؛ فالنظرة العابرة التي جمعت الشخصيتين ستتحول لاحقًا إلى علاقة تمتد آثارها إلى سنوات من حياتهما.

أميرة وفارس.. بداية علاقة مختلفة

فارس ليس مجرد شخص عابر في حياة أميرة. فهو رجل مثقف، غامض ودافئ في الوقت نفسه، يعيش بين أكثر من عالم، ويحمل معه شيئًا من الوطن وشيئًا من تجربة الغربة.

بعد اللقاء الأول، يحصل فارس على رقم هاتف أميرة عن طريق عبدالعزيز، أحد زملائهما في الجامعة، ويبدأ التواصل بينهما برسالة بسيطة. وسرعان ما يتحول التواصل إلى اهتمام متبادل.

يدعو فارس أميرة إلى تناول الفطور، فتتردد في البداية؛ فهي تدرك أن الأمر لم يعد مجرد لقاء عابر بين زملاء. ومع ذلك، ينتصر فضولها وميلها الداخلي إلى اكتشاف هذا الرجل.

يجتمع الاثنان في المقهى، ثم يقضيان وقتًا طويلًا في الحديث عن السياسة والاقتصاد والعلم والدين والعائلة والحياة. وتكتشف أميرة أن فارس طالب ماجستير في الطب، متخصص في أمراض الصدر، بينما كانت قد ظنته في البداية أقرب إلى عالم الاقتصاد بسبب طريقة تفكيره وحديثه.

ويكشف الحوار عن تشابه كبير في طريقة تفكيرهما واهتماماتهما، حتى يشعر الاثنان وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل.

من الإعجاب إلى الحب

تتطور العلاقة بسرعة، لكن الرواية لا تجعل الحب مجرد انجذاب عابر؛ بل تبنيه من خلال التفاصيل اليومية الصغيرة: المكالمات، الرسائل، تبادل الأغاني والمقاطع الفنية، الاهتمامات المشتركة، والحديث الطويل عن المستقبل.

بعد أن يعود فارس إلى لندن، تستمر العلاقة بينهما عبر الهاتف والرسائل. ويصبح الليل موعدًا ثابتًا يجتمعان فيه افتراضيًا، ويتحدثان عن كل شيء تقريبًا، حتى يبدأ الاثنان في رسم صورة لحياة مشتركة لم تبدأ بعد.

يتخيلان الزواج، والأطفال، والبيت، وحتى تفاصيل الحياة التي يريدان أن يعيشاها معًا.

وبالنسبة إلى أميرة، يصبح فارس جزءًا أساسيًا من حياتها. فهي تكتشف من خلال علاقتها به أنها كانت تخفي وحدتها خلف انشغالاتها الكثيرة. أما فارس، فيشعر أنه وجد المرأة التي يريد أن يبني معها مستقبله.

وتصل المشاعر إلى لحظة حاسمة عندما يعترف فارس لأميرة بحبه لها. يأتي الاعتراف وكأنه النتيجة الطبيعية لكل ما سبق من مشاعر وتقارب، فتبدأ مرحلة جديدة من العلاقة، مرحلة لا يعود فيها الحب مجرد إحساس سري، وإنما مشروع حياة مشتركة.

باقة الورد.. الحب في أكثر صوره رومانسية

من أكثر التفاصيل حضورًا في الرواية باقة الورد التي يرسلها فارس إلى أميرة.

يترك لها باقة ضخمة تضم الورد الجوري الأحمر واللافندر والأقحوان الأبيض، ويرفق بها رسالة حب. وبالنسبة إلى أميرة، لا تكون الباقة مجرد هدية، بل تصبح رمزًا للحظة التي شعرت فيها بأن الحب دخل حياتها بصورة حقيقية.

تحتفظ أميرة بالورد وتجففه، كما تحتفظ بالرسالة داخل إطار بالقرب من سريرها، وكأنها تريد أن تمنح تلك اللحظة حياة أطول من عمر الزهور نفسها.

لكن خلف هذا الفرح الكبير، تخفي أميرة سرًا تخشى أن يهدم كل ما بنته مع فارس.

السر الذي يهدد الحب

بعد أن يصبح الحب بين أميرة وفارس عميقًا، تقرر أميرة أن تخبره بالحقيقة التي أخفتها عنه.

فهي تنتمي إلى عائلة تتمسك بعرف قديم يقضي بأن يتزوج ابن العم الأكبر من ابنة عمه الكبرى، باعتبارهما من سيحملان مسؤولية العائلة مستقبلًا.

والأمر بالنسبة إلى أميرة لا يتوقف عند مجرد وعد عائلي؛ فهي تكشف لفارس أن هناك عقد نكاح مدنيًا قائمًا بالفعل.

تأتي الحقيقة كصدمة قاسية لفارس.

وفي المقابل، تعيش أميرة صراعًا داخليًا شديدًا؛ فهي تحب فارس وتراه الرجل الذي اختارته، لكنها نشأت في بيئة تعتبر التقاليد جزءًا من بنية العائلة وهويتها، وتجد نفسها أمام سؤال صعب: هل تستطيع أن تواجه كل هذا الإرث من أجل حبها؟

الحب في مواجهة العائلة

لا يستسلم فارس بسهولة. فهو يؤكد لأميرة أنه لن يتركها، وأنهما معًا يستطيعان مواجهة الظروف.

لكن الصراع لا يقتصر على أميرة.

فارس نفسه يكتشف أن عائلته كانت ترسم له مستقبلًا مختلفًا. والده يريد له زواجًا يتناسب مع العائلة والمكانة والطموحات التي يحملها، بينما كان فارس قد اتخذ قراره العاطفي بنفسه.

وهكذا يصبح كل من الحبيبين أمام عائلته الخاصة، ويصبح الحب بينهما في مواجهة منظومة اجتماعية أكبر من مجرد قرار شخصي.

تصل أميرة في النهاية إلى مرحلة تدرك فيها أنها لن تستطيع الاستمرار في الهروب، فتقرر مواجهة أبيها مهما كانت النتيجة.

تدخل إلى مكتبه وتخبره صراحة بأنها لا تريد الزواج من ابن عمها، لأنها تعتبره بمثابة أخ لها، ولا تقبل أن تتزوج فقط بسبب تقليد لم تختره.

لكن المواجهة تأتي قاسية، وينفجر غضب الأب، ويتحول الحوار العائلي إلى لحظة مؤلمة تكشف حجم الصراع بين رغبة الابنة وسلطة التقاليد.

الغربة ليست مكانًا فقط

من الجوانب اللافتة في الرواية أن الغربة لا تظهر بوصفها مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر.

كندا تمنح أميرة مساحة من الاستقلال، وتتيح لها الدراسة والعمل وبناء عالمها الخاص. وفي الوقت نفسه، تخلق الغربة محيطًا جديدًا تتقاطع فيه شخصيات عربية مختلفة، يجمعها الحنين إلى الوطن.

ويبرز المقهى بوصفه أحد أهم الأماكن في الرواية؛ فهو ليس مجرد مكان لشرب القهوة، بل مساحة للقاء الأصدقاء العرب، وتبادل الأخبار، ومناقشة السياسة، وتناول أطعمة من بلدان مختلفة، ومحاولة تخفيف وطأة الوحدة.

وتظهر شخصية «كيتي»، صاحبة المقهى، بوصفها شخصية محببة قريبة من المجموعة، ترتبط بالعرب من خلال علاقتها القديمة بزوجها الراحل مصطفى، وتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للمكان.

بهذا المعنى، يصبح المقهى في الرواية رمزًا للغربة التي تتحول مؤقتًا إلى وطن صغير يجتمع فيه الأصدقاء.

من الحلم إلى المواجهة

بعد عام من نمو العلاقة بين فارس وأميرة، يبدأ الحديث عن المستقبل يأخذ شكلًا أكثر جدية.

يؤكد فارس أنه يريد إنهاء الأمر والزواج من أميرة، خصوصًا أن العمر يمضي وأن الوقت ليس مفتوحًا أمامهما.

لكن أميرة تعيش حالة من القلق. فهي تعرف أن العودة إلى الوطن تعني مواجهة أبيها والعائلة والتقاليد، ولذلك تصبح العطلة الصيفية بالنسبة إليها موعدًا لا تنتظره بقدر ما تخشاه.

وعندما تصل إلى وطنها، تستقبلها عائلتها بحفاوة، لكنها تدخل تدريجيًا في أجواء المواجهة التي كانت تخشاها.

وفي الجهة الأخرى، ينتظر فارس أن يتحول وعدهما إلى حقيقة، غير أن الأحداث العائلية تأخذ مسارًا مختلفًا.

عندما يصبح الصمت جوابًا

تتصاعد الأزمة، ويبدأ التواصل بين أميرة وفارس في التراجع.

بعد أن كانا يتحدثان كل ليلة، يصبح التواصل محدودًا، ثم يأتي اليوم الذي تجد فيه أميرة نفسها غير قادرة على الوصول إلى فارس إطلاقًا.

تغلق أمامها وسائل الاتصال كافة: الهاتف والتطبيقات ووسائل التواصل.

لا تفسير واضح، ولا وداع، ولا كلمة أخيرة.

بالنسبة إلى أميرة، يتحول غياب فارس إلى صدمة مضاعفة؛ فالرحيل نفسه مؤلم، لكن ما يزيد الألم هو الطريقة التي حدث بها. وتبدأ في استعادة تفاصيل علاقتها به، وكأن ذاكرتها تحاول أن تملأ الفراغ الذي تركه غيابه.

«رحيل بلا وداع».. أقسى أنواع الغياب

تصل الرواية هنا إلى أكثر مراحلها حزنًا.

تعيش أميرة حالة من الانتظار والإنكار، وتحاول تفسير الغياب باحتمالات مختلفة. ربما أصاب فارس مكروه، وربما يواجه مشكلة، وربما سيعود.

لكن شيئًا في داخلها يخبرها بأن الرحيل هذه المرة مختلف.

وتصبح الأشياء الصغيرة التي تركها فارس خلفه جزءًا من عالمها: الصور، الرسائل المكتوبة بخط يده، وباقة الورد المجففة.

كل هذه الأشياء تتحول إلى أدلة مادية على أن الحب كان حقيقيًا، وأنها لم تكن تتخيل عامين من حياتها.

وفي هذه المرحلة، تتحول الرواية من قصة حب إلى قصة عن الفقد وكيف يحاول الإنسان أن يعيش بعد أن يفقد شخصًا كان قد أصبح جزءًا من تفاصيل يومه.

من الألم إلى التصالح

لا تقدم الرواية الألم بوصفه نهاية مطلقة.

بعد مرحلة طويلة من الانكسار، تبحث أميرة عن معنى آخر لما حدث. وتجد نفسها متجهة إلى بيت الله، في رحلة روحية تصبح نقطة تحول في حياتها.

هناك تشعر بالأمان، وتسلم أمرها إلى الله، وتطلب منه العوض والرضا.

وتصف الرواية هذه الرحلة بأنها من أفضل القرارات التي اتخذتها أميرة، لأنها تمنحها فرصة لترميم نفسها وتهدئة قلبها بعد الألم.

وهنا تتغير زاوية النظر إلى الحكاية: لم يعد السؤال فقط «هل ستعود أميرة إلى فارس؟»، بل أصبح السؤال «ماذا ستصبح أميرة بعد كل ما مرت به؟».

النهاية.. ليست كل النهايات وداعًا

تصل الرواية في خاتمتها إلى مرحلة جديدة من حياة أميرة.

لا تختفي آثار الحب من ذاكرتها، لكنها لا تبقى أسيرة الماضي أيضًا.

تعود إلى حياتها العلمية، وتكمل طريقها حتى تحصل على الدكتوراه، ثم تعمل أستاذة للأدب العالمي في إحدى جامعات بلدها.

كما تعود إلى شغفها بالحوار السياسي والإذاعة، وتستعيد تواصلها مع إذاعة كندا بالعربية وبرنامج «ساحة العرب».

وهكذا لا تجعل الرواية تجربة الحب نهاية لحياة البطلة، بل تجعلها جزءًا من رحلة نضج طويلة.

وتأتي الخاتمة برسالة واضحة: ليست كل النهايات وداعًا، فبعض النهايات يمكن أن تكون بداية لحياة أخرى لا نراها في لحظة الألم، لكننا ندرك معناها لاحقًا.

الشخصيات الرئيسية في الرواية

أميرة

هي الشخصية المحورية وراوية جانب كبير من الأحداث. امرأة مثقفة، تدرس وتعمل وتشارك في العمل الإنساني والإعلامي، لكنها تجد نفسها أمام صراع عاطفي واجتماعي لم تكن مستعدة له.

رحلتها هي في جوهرها رحلة من الحب إلى الألم، ومن التعلق إلى الفقد، ثم من الفقد إلى النضج والتصالح مع الذات.

فارس

شخصية تجمع بين الدفء والغموض والثقافة والطموح. يدرس الطب، وله خلفية عائلية مختلفة، ويقع في حب أميرة بصدق، لكنه يجد نفسه هو الآخر أمام عائلة وطموحات وتوقعات لم يكن قادرًا على تجاوزها بسهولة.

عبدالعزيز

يلعب دورًا مهمًا في بداية الحكاية، فهو الشخص الذي ينقل رقم أميرة إلى فارس، وبالتالي يصبح بطريقة غير مباشرة سبب اللقاء الذي سيغير حياة الشخصيتين.

خولة

صديقة أميرة الجزائرية في كندا، وتمثل الصداقة والدعم في زمن الغربة. تقف إلى جانب أميرة في محنتها، وتحاول مساعدتها على مواجهة القيود التي تفرضها العائلة والتقاليد.

كيتي

صاحبة المقهى التي تتحول إلى شخصية قريبة من المجموعة العربية. يمثل المقهى معها مساحة للدفء والذكريات، بينما تحمل قصتها مع زوجها الراحل مصطفى بعدًا إضافيًا حول الحب الذي يستطيع أن يستمر في الذاكرة رغم رحيل صاحبه.

أبرز القضايا التي تطرحها الرواية

الحب أمام التقاليد

من أهم محاور الرواية الصراع بين اختيار الإنسان لشريك حياته وبين سلطة العادات العائلية الموروثة.

لا تقدم الرواية القضية بوصفها نقاشًا اجتماعيًا مجردًا، بل تجعل القارئ يعيشها من خلال تجربة أميرة وفارس.

الغربة والحنين إلى الوطن

تظهر الغربة في تفاصيل الحياة اليومية: الجامعة، المقهى، الأصدقاء، اللهجات المختلفة، الطعام، الأحاديث السياسية، والحنين إلى العائلة.

لكن الرواية تكشف أيضًا مفارقة مهمة؛ ففي الوقت الذي تمنح فيه الغربة أميرة حرية أكبر، تعيدها جذور العائلة والتقاليد إلى مواجهة لم تستطع الهروب منها.

الفقد والرحيل

الرحيل في الرواية ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر. إنه فقد لشخص أصبح جزءًا من الذاكرة والروتين والأحلام.

ولهذا يبدو «الرحيل بلا وداع» من أكثر عناصر الحكاية إيلامًا.

النضج بعد الألم

ربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق للرواية. فالإنسان لا يخرج من التجارب الصعبة كما دخلها.

أميرة في بداية الرواية ليست هي أميرة في نهايتها. الحب جعلها أكثر حساسية، والفقد جعلها أكثر وعيًا، والتجربة كلها دفعتها إلى إعادة اكتشاف ذاتها وحياتها.

لماذا «مرَّ بي كالعمر»؟

العنوان يلخص فلسفة الرواية بصورة مكثفة.

ففارس لم يكن مجرد شخص مر في حياة أميرة ثم اختفى، بل كان وجوده قصيرًا مقارنة بعمرها، لكنه ترك أثرًا امتد إلى ما بعد الرحيل.

وهذا يتوافق مع الفكرة التي تبني عليها الرواية خاتمتها: قيمة بعض العلاقات لا تُقاس بطول بقائها، وإنما بعمق أثرها في الإنسان.

ولهذا فإن «مرَّ بي كالعمر» ليست حكاية عن شخص أحب شخصًا ثم فقده فقط، بل عن تجربة يمكن أن تعيد تشكيل الإنسان حتى بعد انتهائها.

قراءة أخيرة للرواية

تتحرك رواية «مرَّ بي كالعمر» بين ثلاث مراحل أساسية: اللقاء، والحب، والفقد.

في البداية، يبدو كل شيء وكأنه صدفة صغيرة داخل مقهى في مدينة غريبة. ثم تتسع الصدفة لتصبح علاقة عاطفية مليئة بالأحلام والوعود. وبعد ذلك يصطدم الحلم بعالم العائلة والتقاليد والاختيارات التي سبقت الشخصيات قبل أن تلتقي.

لكن الرواية لا تتوقف عند لحظة الانكسار.

فالنهاية تمنح الحكاية معنى أكثر نضجًا: قد لا يحصل الإنسان دائمًا على الشخص الذي أحبه، وقد لا تستمر بعض العلاقات حتى النهاية، لكن ذلك لا يعني أنها كانت بلا قيمة.

فبعض الأشخاص يمرون في حياتنا لفترة قصيرة، ثم يتركون وراءهم أثرًا طويلًا، وبعض القصص لا يكون نجاحها في أن تستمر، وإنما في أنها جعلتنا نعرف أنفسنا بصورة أفضل.

وفي نهاية الرواية، تعود أميرة إلى الحياة والعلم والعمل، وتحمل معها ذاكرة حب لم تعد جرحًا مفتوحًا، بل أصبحت جزءًا من رحلة نضجها.

وهكذا تنتهي الحكاية، لكن أثرها يبقى.

«مرَّ بي كالعمر».. قصة حب لم يكتب لها أن تستمر، لكنها استطاعت أن تعيش في الذاكرة أكثر مما عاش اللقاء نفسه.

حمّل و اقرا الرواية كاملة من هنا

حين تُنسَج الثقافة بالخيوط: بين الموهبة والعلاقات والأوسمة

 بقلم خيرة عبدالكريم


حين تُنسَج الثقافة بالخيوط: بين الموهبة والعلاقات والأوسمة

إلى أي مدى يمكن أن نأمن على واقعنا الثقافي، حين تصبح صناعة الكتاب مرتبطة بالموهبة من جهة، وبالعلاقات وشبكات الاعتراف من جهة أخرى؟ وهل يمكن أن تتحول الرتب والأوسمة والجوائز إلى معيار لصناعة جيل ثقافي كامل؟

ليست الكتابة دائمًا مجرد موهبة تجلس وحيدة أمام ورقة بيضاء. خلف الكتاب أحيانًا عالم كامل من العلاقات، والصداقات، والمؤسسات، واللجان، والمنابر، والجوائز، وشهادات التقدير. وكلما اتسعت الدائرة، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يُصنع الاعتراف بالكاتب من قيمة ما يكتب، أم من شبكة العلاقات التي تحيط بما يكتب؟ لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية العلاقات في الحياة الثقافية. فالكاتب يحتاج إلى ناشر، وإلى قارئ، وإلى منبر، وإلى مؤسسة تفتح له باب المشاركة والحضور. والعلاقات، في معناها النبيل، يمكن أن تكون جسورًا بين المبدع والجمهور. لكنها تصبح إشكالية حين تتحول من وسيلة للتواصل إلى أداة لصناعة المكانة، ومن باب للتعريف بالموهبة إلى بديل عنها. وهنا يظهر الفرق بين الكاتب الذي يصنع أثره بالكتابة، والكاتب الذي تصنع له المنظومة أثرًا. فليست كل جائزة دليلًا على العظمة، كما أن غياب الجائزة ليس دليلًا على غياب الموهبة. وليست كل وسام ثقافي شهادة نهائية على القيمة، كما أن الكاتب الذي لم يعتلِ منصة التكريم قد يكون أكثر تأثيرًا وعمقًا من أسماء ملأت واجهات الاحتفاء. المشكلة لا تكمن في الجائزة أو الوسام أو الرتبة في حد ذاتها، وإنما في تحويلها إلى مقياس وحيد للحقيقة الثقافية. عندما يصبح عدد الكتب، وعدد الجوائز، وعدد التكريمات، وعدد الصور في المناسبات، معيارًا لتحديد من هو "المثقف الكبير"، فإننا نكون أمام ثقافة معرضة لأن تخلط بين الإنجاز الثقافي وصناعة الصورة الثقافية. والأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة قد تتلقى هذه الصورة بوصفها مسلّمة لا تحتاج إلى سؤال. فيكبر جيل وهو يعتقد أن الطريق إلى الاعتراف يبدأ من العلاقات قبل النص، ومن الحضور قبل المشروع، ومن التكريم قبل التجربة، ومن الشهادة قبل السؤال. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بشخص أو كاتب أو مؤسسة، بل يصبح سؤالًا عن المناخ الثقافي كله. هل نحن أمام ثقافة تكافئ الموهبة، أم ثقافة تكافئ القدرة على الوصول؟ هل تقرأ المؤسسات النصوص بقدر ما تقرأ الأسماء؟ هل تمنح الجوائز لمن يستحقها، أم أن بعض الأسماء تصبح مع الوقت أكثر قابلية للفوز لأنها أصبحت جزءًا من دائرة الاعتراف نفسها؟ وهل يمكن للناقد أن يبقى مستقلًا عندما تتداخل علاقاته الشخصية والمهنية مع موضوع نقده؟ ثم، وهو السؤال الأهم: من يكتب التاريخ الثقافي لجيلنا؟ إذا كان التاريخ سيُكتب لاحقًا اعتمادًا على قوائم الجوائز والأوسمة وصور التكريم، فقد نكتشف أن الصورة التي حفظناها عن جيلنا الثقافي ليست بالضرورة صورة ما كان الأكثر إبداعًا، وإنما صورة من كان الأكثر حضورًا في فضاءات الاعتراف. إن الثقافة الحقيقية أوسع من منصّة، وأبقى من وسام، وأعمق من رتبة. الكتاب الذي يعيش بعد صاحبه لا يحتاج إلى كثرة الشهادات كي يثبت وجوده. والنص الجيد يمتلك، في النهاية، قدرة على مقاومة الزمن لا تمنحها له أية لجنة. ولذلك، ربما نحتاج إلى إعادة ترتيب الأسئلة. لا ينبغي أن نسأل فقط: كم كتابًا كتب هذا المثقف؟ وكم جائزة حصل عليها؟ وكم وسامًا نال؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: ماذا أضاف؟ ماذا غيّر؟ ماذا ترك للقارئ؟ هل فتح سؤالًا جديدًا؟ هل دفع جيلًا إلى التفكير؟ وهل سيظل نصه قادرًا على الكلام بعد أن تخفت أضواء التكريم؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث لثقافة ما ليس أن تمنح الأوسمة لمن لا يستحقها فحسب، وإنما أن تقنع جيلًا كاملًا بأن الوسام هو الدليل على الاستحقاق. وفي المقابل، فإن إنصاف الموهبة لا يعني إلغاء العلاقات، ولا محاربة الجوائز، ولا التشكيك في كل تكريم. بل يعني أن نعيد لكل شيء حجمه الطبيعي: العلاقة جسر، والجائزة تقدير، والوسام تكريم، أما القيمة الثقافية فشيء آخر تصنعه الكتابة والزمن والقارئ.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا هو: هل نحن بصدد صناعة ثقافة حقيقية، أم صناعة صورة عن الثقافة؟
وبين الثقافة وصورتها مسافة لا يقطعها إلا النص الجيد، والناقد النزيه، والمؤسسة العادلة، والزمن.

مقطع، رحيل .. نص الكاتبة سلسبيل غزواني

 

مقطع، رحيل .. نص الكاتبة سلسبيل غزواني

ها قد رحلت أخيرًا، رحلت بكل صمت الدنيا. تُراك لم تحمل شيئًا من آثارك؟ تركت لي عطرك العالق على كفّ صافحك ذات مرة، تركت رجفة قلب رآك فجنّ جنونه، تركت حكاياتك، قصصك، تفاصيل حياتك، أوراقك المبعثرة على رصيف عمري، تركت همّك، حزنك القدم، لحظةً صادقة عشتها وأنا أستمع إليك بإنصات، بخشوع العاكفين. تركت رحلتك التي لا تنتهي، أثقالك، أوزارك، وتركت على عاتقي ضريبة النسيان. دفعتها بلا تردد، دفعتها من صميم الروح، من أَرَقي، ومن تدفق الدماء في صدري، من خوفي وقلقي، من وجعي القديم الذي أعدت بعث الروح في تفاصيله البائسة.

تركت كل شيء، ولم تحمل معك إلا شيئًا واحدًا؛ سرقت مني معناي، سرقت شغف العمر، وحلمي، سرقت رغبتي في الكتابة، سرقت حروفي وطمعي أن أكتب نصًا لا أثر لك فيه، لا يحنّ إليك،
حرفًا يشفى من آثارك التي أطفأت الألوان. وغدا العمر بعدك أسودًا وأبيضًا، كأفلام قديمة. سرقت المعنى، ورحلت بكل صمت وبرود. رحلت أنيقًا، لا تثريب عليك، لا تثريب إلا على قلب طغى في جعلك سيدًا، فاستبحت كرامته، وجعلته لذكراك عبدًا؛ يذكرك الدهر، فلا يتمنى أنه لم يلقاك يومًا، ولكنه يتمنى أنه لم يُخلق يومًا من أجل لحظة الفراق تلك.
ها قد رحلت بلا أسباب، بعد أن جئت بكل أسباب الدنيا، تبهج قلبًا تمناك حلمًا، فكنت أسوأ التوقعات. ها قد رحلت، لم تعد بعدك الشهور مواعيد، بعدما رحلت، لم تعد بيننا ذكريات، لا أعياد، وما بقي إلا أن نقيم للنسيان مراسم تذكّرنا أننا صفحات في كتاب العمر؛ كلما تجاوزنا سطرًا، صرنا طيّ الزمان.
ها قد رحلت مني وعني، حتى لا أخبرك مرة أخرى كم هدّني الشوق إليك، حتى لا تسكر آيات الكرامة في قلبي، حتى لا ترى دموع الشوق تذرفها المآقي، حتى لا أشكو بثّي وحزني، حتى لا أذكرك، حتى لا أنساك، حتى تبدأ بعدك الحياة.
ها قد رحلت أخيرًا، ولم يبقَ لك عندي إلا صدق ما كان من شعور، وتصديق ما كان من مشاعر. وأما الحضور، فكان عندي مبجّلًا، وأما الغياب، فكان لقلبي مَغرَمًا.