من النص إلى الخطاب: كيف نقول ما لا نقول - محمد محمد يونس علي.

 

من النص إلى الخطاب: كيف نقول ما لا نقول  - محمد محمد يونس علي.


يسعى هذا العمل إلى تقديم إطار نظري متكامل لفهم إنتاج المعنى وتداوله في التخاطب البشري، مع إبراز العلاقة الوثيقة بين المصرّح به والضمني. ويفترض أن النصّ لا يُمكن فهمه بوصفه كيانًا معزولًا، بل ضمن سياق أوسع يشمل قواعد اللغة، والمنطق، ومبادئ التخاطب، والسياق الداخلي والخارجي؛ إذ تتفاعل هذه العناصر لبلوغ مراد المتكلّم، الذي غالبًا ما يتجاوز حدود ما يُقال صراحة.

وقد تناولت في هذا العمل تصوّري للفرق بين النّص والخطاب على نحو غير معهود في الدراسات السابقة، تسخيرا لهذا التفريق في فهم العلاقة بين منطوق المتكلم وحده من جهة، ومنطوقه مع ما نصبه من قرائن وما اعتمد عليه من مبادئ التخاطب من جهة أخرى، وقد آل ذلك إلى الإجابة عن السؤال ما الذي نحتاج إليه لكي نحوّل النّص إلى خطاب. وقد اتضّح لنا من خلال ذلك أن القضية التي تعبّر عنها قولة المتكلم ما هي إلا جزء بسيط من القضايا التي بها نفسّر خطابه؛ إذا لا بدّ للمخاطب أن يفعّل ما هو مناسب للمقام من القضايا الصامتة الحافّة بالنّص سواء تلك الموجودة في أذهان المخاطبين أو في المقام التخاطبي، لكي يمكننا تقصيد كلامه على المحمل المناسب. وبذلك نكون قد ضممنا ما نصّ عليه المتكلم إلى ما نَصب من قرائن ومبادئ تخاطبية لكي نَبلغ مراده التخاطبي، أيّ أنّ الخطاب يعتمد على الجمع بين النّصّ والنّصب.
كما حاولنا أن نجيب في هذا العمل عن السؤال عما يترتب على تحوّل النّصّ إلى خطاب، وقد استقرأنا نحو ثمانية أنواع من المستلزمات تندرج في الخطاب دون النّصّ هي دلالة المقتضى، ودلالة الافتراض، ودلالة الإيحاء، والدلالة بالتأليف، والدلالة بالاستبدال، والدلالة بالتلويح، والدلالة بالقياس، والدلالة بالاستدلال؛ لنكون بذلك أجبنا عن سؤال العنوان وهو كيف نقول ما لا نقول.
يقترح العمل إذن تمييزًا واضحًا بين النص، المقتصر على ما يُقال صراحة، والخطاب، الذي يشمل النصّ وما يضاف إليه من معانٍ ضمنية تُستنتج من السياق. ويختلف هذا التمييز عن تقسيم سبربر وويلسون بين المعنى الصريح والمستلزم، إذ يعطي أهميّة أكبر للخطاب؛ لاشتماله على العناصر الضرورية غير المصرّح بها في عملية التخاطب؛ تلك التي أدرجا جزءا مهما منها فيما يسميانه بالصّريح.
وقد شدّدنا في هذا العمل على فكرة "نصب القرائن" باعتبارها جزءًا ضروريّا مكمّلا للنّص الصريح-، لكونه يندرج اندراجا حتميًا في مدخلات تأويل المتلقي، وإن كان النّص المصرّح به -خلافا لما يفهم من مجموع الخطاب- يمنح المتكلم فرصة للتنصل أو الاستدراك عند الحاجة.
وقد رأينا -مصداقًا لما ذُكر- أنّ المقاربة الخطابية (وهي المقاربة السائدة في التراث واللسانيات) لا تكتفي بالتعامل مع النصوص الصريحة فقط، بل تشمل معاني ضمنية لا تُدرك إلا من خلال مبادئ التخاطب والسياق. لذلك شدّدنا على أنّ الخطاب أوسع من النصّ، إذ يستبطن دلالات تتجاوز المعنى الظاهر وتفتح المجال لتفسيرات أعمق، في حين تتمحور المقاربة النصيّة في الدراسات القانونية المعاصرة وفي غيرها حول الالتزام بظاهر النصوص، رافضةً أي تأويلات أو اجتهادات قد تؤدي إلى ما يعدّونه تحريفًا لكلام المتكلّم. وتلتقي هذه المنهجية مع مذهب الظاهرية الإسلامي، الذي يقتصر على النصّ وحده مصدرًا لبلوغ قصد المتكلّم، رافضًا أي وسائل خارجية لتفسير المعاني.
وبناء على ذلك، بينما تقتصر القراءة النصّيّة على تحليل النصّ وفق قواعد اللغة ومعجمها، دون الالتفات إلى السياقات الخارجيّة. تستلزم القراءة الخطابيّة إدماج السياق العام وقرائنه التفصيليّة، ومبادئ التخاطب لفهم المعاني الضمنيّة، لتصبح أكثر شمولًا
وارتباطًا بمراد المتكلم في التخاطب الفعليّ.

حياةٌ ثانية للندوب .. العالم حقل أخطاء - نص الكاتبة زينب الزبيدي

 

حياةٌ ثانية للندوب .. العالم حقل أخطاء  - نص الكاتبة زينب الزبيدي

في البدايات، نظنّ أنّ الندوب هي الأثر الذي يتركه الألم وراءه.

علامةٌ صامتة على شيءٍ انكسر، وشاهدٌ صغير على معركةٍ لم نخرج منها كما دخلناها.
لكنّ العمر يعلّمنا أن للندوب حياةً أخرى. حياةً لا تبدأ مع الجرح بل بعده.
فبعض الجراح تنتهي حين تلتئم.
أما الندوب فتبدأ عملها الحقيقي بعد الالتئام. إنها لا تؤلم بالطريقة القديمة. لكنّها تتذكّر. وتجعلنا نتذكّر.
لا لتعيدنا إلى الوجع دائما، بل لتمنعنا من نسيان ما تعلّمناه داخله.
في سنواتنا الأولى، نحاول إخفاء ندوبنا.
العاطفية منها قبل الجسدية. نخجل منها. ونراها دليلاً على ضعفٍ ما. أو على خسارةٍ لم نحسن تجنّبها.
نقارن أنفسنا بمن تبدو حياتهم أكثر اكتمالا وأقلّ تصدّعاً
ولا نعرف أنّ لكلّ إنسان ندوبه الخاصة.
حتى أولئك الذين يبدون أكثر سلاماً فالهدوء الذي نراه في بعض الأرواح ليس غياب المعارك.
بل نتيجة عبورها. ولعلّ هذا هو أجمل ما تفعله الندوب.
إنها تحوّل التجربة إلى معرفة. لا تمنحنا السعادة بالضرورة.
لكنّها تمنحنا البصيرة.
بعد الخذلان، لا نعود نقرأ الوعود بالطريقة نفسها.
وبعد الفقد، لا يعود حضور الناس أمراً بديهياً.
وبعد الانكسار، نصبح أكثر انتباهاً لما يستحقّ أن يُحفظ.
وما يستحقّ أن يُترك.
هكذا تعمل الندوب. إنها تغيّر زاوية النظر. لا العالم.
هناك جراحٌ لا تجعلنا أقسى. بل أكثر رحمة.
لأنّ من عرف هشاشته جيّداً يصعب عليه أن يستهين بهشاشة الآخرين.
ومن حمل الحزن طويلاً يتعلّم كيف يفسح مكاناً لحزن غيره.
ومن عرف معنى السقوط، يكفّ عن السخرية من المتعثرين.
لهذا ليست كلّ الندوب خسارة.
بعضها تربية، وبعضها نضج، وبعضها أبوابٌ سرّية دخلنا منها إلى أنفسنا للمرة الأولى.
لكنّ المشكلة تبدأ حين نحاول العيش داخل تلك الندبة.
حين نمنحها أكثر مما تستحق. حين تتحوّل من ذكرى إلى هوية. ومن أثرٍ إلى سجن.
فالندبة خُلقت لتُذكّرنا بالطريق، لا لتصبح الطريق نفسه
ولهذا يحتاج الشفاء منا إلى خطوةٍ إضافية.
أن نحترم ما حدث دون أن نسمح له بأن يحتلّ كلّ المساحة.
أن نعترف بالألم دون أن نمنحه حقّ تعريفنا.
أن نحمل الدرس ونترك العبء. وهذه من أصعب المهارات التي يتعلّمها الإنسان.
لأنّ بعض الأوجاع تمنحنا شعوراً خفيّاً بالألفة.
حتى يصبح التخلّي عنها أشبه بالتخلّي عن جزءٍ من الذات.
لكنّ النضج يبدأ حين نفهم أنّنا لسنا مطالبين بحمل كلّ ما نجونا منه.
يكفينا أن نتذكّره.
يكفينا أن نشكره على ما علّم. ثم نتابع السير.
فالندوب الجميلة ليست تلك التي تختفي.
بل تلك التي تتوقّف عن النزف. وتتحوّل، مع الزمن، إلى خرائط صغيرة تدلّنا على الطرق التي عبرناها، وتذكّرنا،
كلّما شككنا في أنفسنا، أننا نجونا مرة من قبل. وأننا قادرون على النجاة مرّةً أخرى.

الرواية الجزائرية في خطر - الباحث كريم جدي

 

الرواية الجزائرية في خطر  - الباحث كريم جدي


حين تتحول الرواية من مشروع إبداعي ومعرفي إلى مجرد سلعة تُشترى وتُباع.. يصبح الحديث عن أزمة الرواية الجزائرية ضرورة ثقافية لا ترفًا فكريًا. فما نشهده اليوم من انفجار في عدد الإصدارات الروائية لا يعكس بالضرورة ازدهارًا أدبيًا... بل قد يكون في كثير من الأحيان مؤشرًا على تراجع معايير الجودة واختلال ميزان القيمة...

لقد أصبح لقب "روائي" يُنال بسهولة مدهشة.. يكفي أن يمتلك المرء القدرة على دفع تكاليف النشر حتى يجد اسمه على غلاف رواية بغض النظر عن مستواها الفني أو اللغوي أو الفكري... وهنا تتجلى واحدة من أخطر الظواهر التي أصابت المشهد الثقافي الجزائري وهي انتشار النشر التجاري الذي لا يرى في النص الأدبي سوى مصدر للربح.. ولا يقيم وزنًا لقيمة العمل أو أصالته أو مساهمته في تطوير الأدب الجزائري...
إن دور النشر التي تتخلى عن دورها الثقافي والنقدي لصالح الحسابات التجارية لا تسيء إلى الأدب فحسب.. بل تسيء إلى القارئ أيضًا... فهي تمنحه نصوصًا هشة وتكرّس الوهم بأن الرواية مجرد صفحات تُملأ بالحكايات.. بينما هي في حقيقتها بناء فني معقد يقوم على رؤية للعالم.. وهندسة للسرد...ووعي باللغة.. وإحاطة بالإنسان والتاريخ والمجتمع.....
والمشكلة لا تقف عند حدود النشر التجاري بل تمتد إلى كثير من الكُتّاب الذين اقتحموا عالم الرواية دون زاد معرفي أو تكوين أدبي حقيقي... فالرواية ليست خواطر مطولة... ولا مذكرات شخصية.. ولا يوميات منثورة... بل هي فن يحتاج إلى ثقافة موسوعية....وإلمام بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ...... فضلًا عن معرفة عميقة بمدارس الأدب العالمية وتيارات النقد الحديثة...
إن الكاتب الذي لا يقرأ إلا نفسه ولا يعرف من الرواية سوى ما يكتبه محكوم عليه بإنتاج نصوص تدور في فراغ... ولذلك نجد كثيرًا من الروايات الجديدة تعاني فقرًا لغويًا واضحًا.. وركاكة في الأسلوب.. وضعفًا في بناء الشخصيات... وهشاشة في الحبكة.. وغيابًا للرؤية الفكرية... حتى تبدو نصوصًا صماء.. جافة.. بلا روح.. وبلا متعة سردية حقيقية...
لقد غاب عن كثير من هذه الأعمال مفهوم تداخل الأجناس الأدبية الذي يمنح الرواية ثراءها.. وغابت عنها الأبعاد الفلسفية التي تجعلها تطرح أسئلة الوجود..والأبعاد النفسية التي تغوص في أعماق الإنسان.. والأبعاد السوسيولوجية التي تفسر حركة المجتمع...والأبعاد الأنثروبولوجية التي تكشف بنية الثقافة والهوية.... فتحولت الرواية عند البعض إلى مجرد حكاية مسطحة يمكن اختصارها في صفحات قليلة دون أن يخسر القارئ شيئًا...
ولعل الأخطر من ذلك أن بعض الجوائز المحلية وبعض التغطيات الإعلامية أسهمت - بقصد أو بغير قصد - في تضخيم أسماء لا تستند إلى منجز أدبي راسخ.. مما خلق حالة من التشويش في الذائقة العامة.. وأصبح القارئ العادي عاجزًا عن التمييز بين الرواية الحقيقية والمنتج الورقي الذي يحمل اسم رواية....غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الساحة الجزائرية لا تخلو من أصوات روائية جادة استطاعت أن تثبت أن الرواية فعل معرفي قبل أن تكون فعل كتابة.. وأنها مشروع حضاري قبل أن تكون وسيلة للشهرة... ومن بين هذه التجارب التي يشار إليها بالتقدير - حسب ما قرأته - تجربة الأستاذ عبد العزيز غرمول بما تتسم به من وعي باللغة وعمق في البناء السردي.. وتجربة البروفيسور اليامين بن تومي التي تنطلق من خلفية أكاديمية وثقافية واضحة فتمنح النص بعدًا فكريًا وجماليًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة الإنسان والمجتمع..
إن الدفاع عن الرواية الجزائرية لا يكون بالمجاملة ولا بالتصفيق لكل ما يُنشر.. وإنما بإحياء النقد الأدبي الجاد.. وإعادة الاعتبار للقراءة الصارمة.. وتشجيع دور النشر التي تضع الجودة فوق الربح وتكوين أجيال من الروائيين يؤمنون بأن الكتابة مسؤولية معرفية وأخلاقية لا وسيلة للحصول على لقب أو صورة في معرض كتاب...
فالرواية ليست مهنة من لا مهنة له.. وليست ملاذًا لكل من أتقن استخدام لوحة المفاتيح.. وإنما هي قمة الفنون السردية.. لا يبلغها إلا من امتلك الموهبة... وصقلها بالقراءة.. وأغناها بالمعرفة... وصبر طويل على التعلم والتجريب....
إن الرواية الجزائرية ليست في خطر بسبب قلة الكتّاب... بل بسبب كثرة المتسرعين.. وليست مهددة بندرة الإصدارات.. بل بفيض النصوص التي تفتقر إلى شروط الأدب....وحين يصبح الكم معيارًا ويُقصى الكيف.. فإننا لا نبني نهضة روائية بل نؤسس لفوضى أدبية سيدفع ثمنها القارئ ثم الثقافة الوطنية بأكملها.




هل انتهى زمن القراءة والمطالعة؟

بقلم خيرة عبدالكريم

هل انتهى زمن القراءة والمطالعة؟


  يعتقد كثير من الناس أن زمن القراءة والمطالعة قد انتهى، خاصة عند ملاحظة انشغال الأجيال الصاعدة بالهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي. 
فقد أصبحت الشاشات تستحوذ على معظم أوقات الشباب، بينما تراجع الإقبال على الكتب والمجلات، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل الثقافة والمعرفة. ولا شك أن وسائل التكنولوجيا غيّرت عادات القراءة، فأصبح الكثيرون يفضلون المحتوى السريع والمختصر على القراءة المتأنية التي تتطلب تركيزًا وصبرًا. 
وقد أدى ذلك إلى انخفاض الاهتمام بالكتب الورقية، وإلى تراجع عادة المطالعة اليومية لدى فئة من الشباب. لكن القول إن زمن القراءة قد انتهى ليس دقيقًا. فالقراءة لم تختفِ، بل تغيرت أشكالها ووسائلها. فكثير من الشباب يقرأون الكتب الإلكترونية، والمقالات، والأبحاث، ويتابعون المنصات الثقافية عبر الإنترنت. 
كما أن هناك فئة لا تزال تؤمن بأن الكتاب خير جليس، وتحرص على تنمية معارفها من خلال المطالعة المستمرة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامها. فإذا استُثمرت الوسائل الرقمية في نشر المعرفة وتشجيع القراءة، فإنها يمكن أن تكون وسيلة فعالة لإحياء ثقافة المطالعة بدل أن تكون سببًا في تراجعها. 
وفي الختام، تبقى القراءة أساس بناء الفكر وتوسيع الآفاق، مهما تغيرت الوسائل. فالمجتمعات التي تشجع أبناءها على المطالعة هي الأقدر على الإبداع والتقدم، لأن المعرفة كانت وستظل مفتاح نهضة الإنسان.

الطريق إلى كتابة الرواية - مصطفى لغتيري

الطريق إلى كتابة الرواية   - مصطفى لغتيري

ليست الرواية من حيث العمق غير قصة الإنسان موزعة على أحداث خيالية متشابكة ومتفرعة تلتقي أحيانا وتفترق أحيانا أخرى، لكنها تظل محافظة على اللحمة التي تجمعها ولو من طرف خفي، لتساهم مجتمعة بشكل تعاقبي أو تقهقري في بناء حياة كاملة أوجزء منها على الأقل لشخصية معينة أومجموعة من الشخصيات.
لذلك على الكاتب أن يجعل من الحكاية عمودا فقريا لروايته، لتكون السداة التي تتماسك بها أجزاء الرواية، وفي حال غيابها ستكون رخوة لا يأخذها أحد على مأخذ الجد. فقد انتهت إلى غير رجعة حساسية كتابية دعت إلى تداخل الأجناس وهناك من عبر عنها بالكتابة عبر النوعية، فتداخل –نتيجة لذلك- الشعر مع السرد ، حتى أصبحنا أمام قصص وروايات تحتفي باللغة في حد ذاتها، فتلهيهم عن الاهتمام بباقي مكونات العمل القصصي أو الروائي، كالشخصيات والأحداث والفضاءات، كما أن هذه الحساسية، وزيادة في الارتباك الذي تسببت فيه، توسلت بتقنية تداخل الأزمنة بشكل مبالغ فيه، من خلال هيمنة الزمن النفسي بل اللاشعوري كذلك، وقد كانت الحكاية من ضحايا هذا التوجه، فلم نعد نظفر عند قراءة القصص والروايات بأي حكاية، رغم أن هذه الأخيرة تعتبر نسغ القصة والرواية معا، فهي التي تبقى راسخة في ذهن المتلقي بعد الانتهاء من قراءة المتن القصصي أو الروائي. والنتيجة النهائية لهذا التوجه كان كارثيا من حيث الإقبال على قراءة القصص، إذ ساهم في نفور القارئ العادي من قراءة القصة والرواية.
في العقدين الأخيرين تصالحت القصة والرواية مع البعد الحكائي فيها، وهذا ما جعلهما –في رأيي المتواضع- تستعيدان بعضا من ألقهما، ومن حسنات هذا التوجه أنه ييسر ترجمة كل من القصة والرواية إلى لغات أخرى، أما مع الكتابة "عبر النوعية"، فحين تترجم النص إلى أي لغة فلن نحصل سوى على حذلقات وفذلكات لغوية لا معنى لها.
ولا يمكن تقديم حكاية الشخصية أو الشخصيات دون أن نعنى بالمكان أو الفضاء الذي تضطرب فيه، وكلما نوعنا الافضية أتيحت لنا الفرصة لتطوير أحداث الرواية، وقد يحيل الفضاء على مكان أو أمكنة حقيقية، لكن مع ذلك ففضاء الرواية تخييلي بامتيازن وهو من صنع الكاتب ولا يمكنه التطابق مع الواقع.
ومن الملاحظ أن خلال كتابة الرواية يتشكي كثير من المبدعين من قصر النفس، ويسعون حثيثا نحو اكتسابه، وعلى المرء أن يعرف أن هذا الأمر يتأتى فقط بالصبر والمجاهدة والممارسة، ومع ذلك توجد هناك طريقة ينصح بها العارفون بأسرار الكتابة القصصية" قصة قصيرة ورواية"، ويمكن اعتمادها، لأنها غالبا ما تؤتي أكلها هنيئا طيبا، ويتعلق الأمر بمبدأ التداعيات، فمثلا إذا كانت الشخصية التي تكتب عنها في البستان، ففي البستان توجد أشجار مثمرة، والأشجار فيها فواكه، والفواكه تستدعي تاجرا والتاجر سيأتي بشاحنة، والشاحنة ستذهب إلى السوق وفي السوق تجار، شبابا وشيوخا، وكل شيخ أو شاب ينقلنا إلى بيته وفي بيته أبناء ولكل ابن أوبنت حكاية وهكذا.. ويمكن أن تتخذ القصة طريقا آخر، مثلا، فبالقرب من البستان الذي تتواجد به الشخصية طريق، والطريق يحمل الناس بشتى انتماءاتهم الاجتماعية، وقد تحمل رجلا أو امرأة ، وقد يكون أحدهما راكبا حصانا أو سيارة، فتكون هذه السيارة مثلا مناسبة لحمل الشخصية إلى مكان قريب أو بعيد، لن يكون في أغلب الأحيان سوى قرية أو مدينة ، وفيهما معا توجد مقاه ومحطات لنقل المسافرين، وفي المحطة تركب الشخصية حافلة، وفي الحافلة مسافرون، لا بد أن تتعرف الشخصية على أحدهم، وقد تحكي لنا حكايته، وقد تنتسج علاقة ما مع هذه الشخصية الجديدة، وهكذا دواليك.
ولا يخفى على أحد أن التراث العربي والإنساني مليء بالمواقف التي يمكن للقاص استثمارها من خلال تسليط الضوء عليها من وجهة نظر مختلفة، أو التركيز على جانب منها لم يوله الناس اهتماما قبله. كما يمكنه أن يستدعي منه شخصيات وأحداثا ليستثمرها في قصته برؤيا معاصرة، فينطقها بما يرغب في التعبير عنه.. كما يمكنه أن يلجأ إلى التناص مع نصوص تراثية إما مع منطوقها المباشر، أو الضمني، كما يمكنه أن يتخذ من البنية العميقة للنص التراثي هيكلا خفيا لنصه، حتى يمنحه نوعا من التأصيل الذي قد يضفي عليه جمالية خاصة، وهو الأمر الذي قام به الكاتب التونسي محمود المسعدي في روايته الجميلة" حدثنا أبو هريرة قال" والتي تعد بحق من أجمل الروايات العربية في القرن العشرين، رغم أنها لم تنل ما تستحقه من اهتمام على المستوى العربي، فهي بحق مغامرة إبداعية عميقة وظفت التراث بشكل فعال ومنتج، من خلال لغة تحاكي عصر أبي هريرة وبيئته الاجتماعية..
وعلى الكاتب أن يعي أن الرواية عمل تخييلي أي أنها من ورق أو من كلمات، لذا حين يكتب روايته عليه أن يتخلص من وهم الواقعية، ويسعى بالمقابل إلى خلق "واقعيته" الخاصة، و"واقعيته" ليست سوى فنه الروائي، الذي يتعين أن يقدمه لنا نابضا بالحياة، من خلال التحكم في الشخصيات والأحداث والفضاءات والزمان، واللغة، أي يقدم لنا قطعة فنية منسجمة العناصر والمكونات...فرواية"مائة عام من العزلة" رائعة، ليس لأنها نقلت لنا الواقع، بل لأنها استطاعت خلق واقعها، الذي أضحى إضافة نوعية إلى الواقع الحقيقي، ومع ذلك يبقى "واقعا" مختلفا، تتكرر فيه أسماء الشخصيات من جيل إلى جيل بشكل مربك، وحين تموت أرسولا مثلا تصعد جثتها أمام أعينا إلى السماء..حقا ما أروعه من "واقع"، يجنحه الخيال.
كما أن الحوار مهم في في كتابة الرواية لأنه يجعلنا نصغي مباشرة إلى الشخصيات دون وساطة من الكاتب، لكن يجب الانتباه إلى هذا الحوار فنجعل الشخصية تتحدث بما يلائم مستواها الثقافي والاجتماعي.
فمن الغريب جدا أن تجد شخصية في إحدى الروايات تتحدث بلغة عالمة أو لغة الشعراء رغم أن الكاتب يقدمها لنا بكونها تعاني من الأمية، أو ذات مستوى تعليمي بسيط، مما يخلق نوعا من الانفصام، الذي يتعين على القاص تجاوزه من خلال إنطاق الشخوص بما يلائم مستواها التعليمي وانتمائها الاجتماعي.
وكلما كان الحوار قصيرا ومتوترا أدى وظيفته، فلا أغرب من استرسال الشخصية في الحديث بشكل مسهب، يؤدي حتما إلى الملل، ويبدو للقارئ كلاما مفتعلا لا فائدة منه.
كما أن أهمية الحوار تتجلى كذلك في خلق الجو الدرامي المطلوب في الفن القصصي، لأننا بواسطته سنكون أمام الفكرة ونقيضها، فلكل شخصية تصورها ومصالحها، ومن الإيجابي جدا إبراز ذلك في حوارها مع بعضها البعض، لتطوير أحداث القصة بشكل درامي.
فالرواية الناجحة تتمتع بدرامية قوية "والدراما" في أبسط تعريفها هي الصراع، ولكي تتحقق في القصة فكر دائما في الشيء ونقيضه، وضع للشخصية الرئيسية شخصية مناقضة تمنعها من تحقيق أهدافها.
وأنت تكتب روايتك تذكر دائما أن القارئ يهوى تلك الانفلاتات" الفانطاستيكية" أو العجائبية، التي بقدر ما تبدو مفاجئة وغير معقولة ولا يقبلها المنطق، إلا أنها تكسر "واقعية" الأحداث وتمنحها كثيرا من الطرافة المرتجاة، وتحلق بالخيال إلى أقصى الحدود، وهي حقيقة انفلاتات جميلة، تجعل القارئ ينفلت من صرامة الواقع، كما يحدث وأنت تتحدث عن "شخصية"في إحدى قصصك فتقول: بعد ليلة أرق يمشي" س" وحيدا في شارع مقفر في إحدى المدن الكبرى .. الصباح يتثاءب ما يزال، محاولا طرد وسن مرتبك من الأحداق .. يتوقف "س" عند بركة اصطناعية، بينما تهب على سحنته لفحات نسيم منعش، في تلك اللحظة تحديدا تفاجئه حورية بحر بظهورها المربك.. تطفو على سطح البركة وما تلبث أمام ذهوله أن تحدثه...
وأنت تكتب روايتك لا تنس كذلك أن الحبكة من التقنيات الأساسية في الكتابة القصصية، وعلى الكاتب أن يوليها أهمية خاصة، حتى يتقن كتابة رواياته ويضمن لها حدا أدنى من التشويق، والحبكة تعني في أبسط تعريف لها أن يكون الحدث التالي نتيجة للحدث السابق.
ولتوضيح الفرق بين الأحداث بحبكة وبغيرها نورد المثالين الشهيرين التاليين.
حدثان بدون حبكة: مات الزوج و بعد أسبوع واحد ماتت الزوجة.
حدثان بحبكة: مات الزوج وبعد أسبوع واحد ماتت الزوجة حزنا عليه.
ويعد الوصف من العناصر المهمة في كتابة الرواية، وهو فن قائم بذاته يحتاج كثيرا من الدربة لإتقانه كي يبهر القارئ، خاصة إذا كان وصفا يتخلله بعض المجاز دون أن يستغرق فيه بشكل كلي، ويتألق الوصف في الرواية كذلك حين يكون مساهما في تطوير الأحداث وحين يكون بمثابة معادل موضوعي يعكس لنا بشكل غير مباشر الحالة النفسية للشخصيات.

نظرية يونغ في التحليل النفسي - أسماء سعد الدين


نظرية يونغ في التحليل النفسي    -  أسماء سعد الدين


كارل غوستاف يونغ كان الطبيب النفسي السويسري والطبيب النفساني الذي أسس علم النفس التحليلي . وكان عمله ذا تأثيرا كبير ليس فقط في مجال الطب النفسي ولكن أيضا في الفلسفة ، الأنثروبولوجيا والآثار والأدب ، والدراسات الدينية . وكان كاتبا غزيرا، على الرغم من الكثير من أعماله التي لم تنشر حتى بعد وفاته .
خلق جونغ بعض المفاهيم النفسية ، بما في ذلك الأمثلة لـ اليونغي ، اللاوعي الجماعي ، والتحليل النفسي ، والانبساط والانطواء .
نظرية يونغ
وتستند نظرية يونغ من العصاب على الفرضية النفسية الذاتية للتنظيم الذي يتألف من التوترات بين المواقف المتعارضة من الأنا واللاوعي . والعصاب هو التوتر دون حل واضح بين هذه المواقف المتصارعة . كل عصاب هو فريد من نوعه ، مع أشياء مختلفة تعمل في قضايا مختلفة ، لذلك لا توجد طريقة علاجية يمكن تطبيقها بشكل تعسفي . ومع ذلك ، هناك مجموعة من القضايا التي تناولها جونغ بشكل خاص . وعلى الرغم من التعديل الجيد في الحياة اليومية ، فقد جاء الشعور بالوفاء من معنى الهدف ذاته . ويبدو أنه ليس هناك أي وسيلة جلية واضحة لوضع الأمور في نصابها . في هذه الحالات ، تحول جونغ من التواصل عن طريق الرموز المستمرة من اللاوعي في شكل الأحلام والرؤى .
هناك جانب كبير من نظرية يونغ العصاب في كيفية اختلاف الأعراض من النوع النفسي . التسلسل الهرمي للوظائف النفسية له تمييزا يعطي كل فرد الإحساس السائد ، والحدس ، والشعور ، أو التفكير إما مع موقف انفتاحي على الخارج أو انطوئي . ويظهر الجانب المهيمن تحت السيطرة في الأنا ، مما يخلق مظاهر نموذجية من البصيرة غير الواضحة ، والسلوك الذي يصاحب الوظيفة المتطرفة لتحيز العصاب .
وجهة النظر الديناميكية النفسية في علم النفس ، تقترح أن هناك قوى نفسية كامنة وراء السلوك الإنساني والمشاعر والعواطف . الديناميكا النفسية أوضحتها سيغموند فرويد في أواخر القرن ال19 ، والتي أقترحت أن العمليات النفسية هي التدفقات للطاقة النفسية (الشهوة الجنسية) في الدماغ . وردا على النهج الاختزالي لحركات علم النفس البيولوجية والهيكلية ، والوظيفية ، لوجهة النظر الديناميكية النفسية والتي تمثل التأرجح نحو العودة الى مفاهيم أكثر شمولية ، والنظامية ، والمجردة وذات التأثير الكبير على السلوكيات والتصرفات الملموسة .
علم النفس التحليلي
علم النفس التحليلي ويسمى أيضا بـ علم النفس اليونغي ، وهي مدرسة العلاج النفسي التي نشأت في أفكار كارل يونغ ، وهو الطبيب النفسي السويسري . والذي يشدد على أهمية الحالة النفسية الفردية والسعي الشخصي نحو الكمال .
علم النفس التحليلي هو العلم الواضح من التحليل النفسي ، وهو نظام العلاج النفسي التي أنشأته سيغموند فرويد .
المفاهيم الهامة في نظام جونغ هي التميز ، والرموز ، وفاقد الوعي الشخصي ، واللاوعي الجماعي ، والمجمعات ، والشخصية ، والهوية ، والأنا ، والأنا الفائقة ، والظل ، والذات .
وقد تم التحقيق نظريات يونغ التي وضعت من قبل توني وولف ، ماري-لويز فون فرانز ،إريك نيومان ، جيمس هيلمان ، وانطوني ستيفنز .
نظرة عامة
وضع جونغ النهج التأسيسي لدراسة العقل البشري . بدأ جونغ مهنته كطبيب نفسي في زيوريخ ، سويسرا . وهناك ، أجرى أبحاثا ، مما أكسب يونغ سمعة جيدة في جميع أنحاء العالم وحصل على العديد من الأوسمة ، بما في ذلك الدرجة الفخرية من جامعة كلارك ، ماساشوستس ، في عام 1904 . وحصل على الشهادة الفخرية الأخرى من جامعة هارفارد في عام 1936 ، بإعتراف جامعة أكسفورد وجامعة كلكتا . وتم تعيينه زميل الجمعية الملكية للطب في إنجلترا .
وخلافا لمعظم علماء النفس الحديث ، لم يعتقد جونغ في أن التجارب باستخدام العلوم الطبيعية بإعتبارها الوسيلة الوحيدة لفهم النفس البشرية . ورأى الأدلة التجريبية لعالم الحلم ، الأسطورة والفلكلور باعتباره الطريق الواعد للفهم الأعمق . ويرتبط اختيار هذه الطريقة مع اختياره الموضوع لعلمه . وبالتالي ، فإن اللاوعي هم “المنبوذين” من الأبحاث التجريبية ، أو في الواقع هم نوع ممكن من المتناول العلمي أو الفلسفي ، على وجه التحديد لأنه فاقد الوعي .
على الرغم من أن اللاوعي لا يمكن دراسته باستخدام نهج مباشر ، إلا أن ليونغ لم يفترض نفس النهج لـ فاقدي الوعي عن النموذج الذي اقترحه فرويد ، على الرغم من التأثير الكبير لمؤسس التحليل النفسي الذي كان على يونغ . الفرق الأكثر شهرة فيما بينهما هو الافتراض من اللاوعي الجماعي ، على الرغم من اقتراح يونج من اللاوعي الجماعي والأمثلة التي كانت تقوم على افتراض وجود أنماط نفسية (عقلية) . وتشمل هذه الأنماط لمحتويات الأفكار الواعية ، والذكريات ، وما إلى ذلك من تجربة الحياة . وهي الأمور الشائعة لجميع البشر .
الهدف العام المتمثل في علم النفس اليونغي هو تحقيق الذات من خلال التميز . تعرف يونغ على “الأنا” ب “النموذج الأصلي من الكمال ومركز التنظيم من النفس .” وسط هذه العملية هو لقاء الفرد مع روحه أو روحها وإحالة عناصرها في الوعي .
والهدف من العلاج النفسي هو مساعدة الفرد في اعادة العلاقة الصحية لـ اللاوعي أو من بث التوازن في العلاقة لأنها كما هو الحال مع العصاب ، واضطرابات القلق ، والشخصية .