أنتَ الحكاية التي لا تنتهي - الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)

أنتَ الحكاية التي لا تنتهي - الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)

لا أعرف في أي لحظة تحديدًا أصبحتَ جزءًا منّي، ولا كيف تسلّلتَ إلى أعماقي بهذا الهدوء، حتى غدوتَ الفكرة التي تزورني دون موعد، والشعور الذي يعجز قلبي عن تفسيره، والحكاية التي كلما ظننتُ أنني انتهيتُ منها، وجدتُني أبدأها من جديد.

أحبّك بطريقة لا تشبه ما كنتُ أعرفه عن الحب، بطريقة تجعلني أراك في تفاصيل يومي الصغيرة، في أغنية عابرة، وفي كلمة تشبه صوتك، وفي لحظة صمتٍ طويلة لا أجد فيها ما أفعله سوى التفكير بك.

أحبّك لأنك أنت، لا لأنك كامل، ولا لأنك تشبه أحلامي تمامًا، بل لأن شيئًا في روحي اختارك من بين الوجوه الكثيرة، ووجد فيك ألف سبب للبقاء، حتى في اللحظات التي لا أجد فيها سببًا واحدًا أشرح به هذا التعلّق. أحيانًا أتساءل: كيف يستطيع إنسان واحد أن يحتلّ كل هذه المساحة في قلب إنسان آخر، دون أن يطرق الأبواب، ودون أن يطلب الإذن؟ كيف يصبح صوته طمأنينة، وغيابه سؤالًا، وابتسامته ذكرى قادرة على انتشالي من يومٍ كامل من التعب؟ معك، اكتشفتُ أن الحب ليس دائمًا كلماتٍ تُقال، ولا وعودًا تُكتب، ولا رسائل طويلة تُرسل في منتصف الليل؛ أحيانًا يكون الحب شعورًا خفيًّا يجعلك تتمنى أن يكون شخصٌ ما بخير، حتى حين لا تعرف شيئًا عمّا يحدث في يومه. وأنا، حين أحببتك، لم أتمنَّ أن أمتلكك، بل تمنّيتُ أن أكون المكان الذي تستطيع أن تعود إليه حين تتعب من العالم، والوجه الذي لا تضطر أمامه إلى ارتداء أقنعتك، والقلب الذي يفهم صمتك حين تخونك الكلمات. ومع ذلك، لا أنكر أنني أخاف؛ أخاف من المسافات التي لا تُقاس بالأميال، بل بتغيّر النبرة، وبالردود التي تفقد دفأها، وبالأشياء الصغيرة التي تتبدّل فجأة، فتجعل القلب يقف أمام ألف احتمال، ولا يعرف أيّها الحقيقة. أخاف أن أكون قد منحتُ التفاصيل معاني أكبر مما تحتمل، وأن أكون قد بنيتُ في خيالي بيتًا من الأمنيات، بينما أنت لا تزال تقف عند الباب، لا تعرف إن كنتَ تريد الدخول أم الرحيل. لكنني، رغم خوفي، لا أستطيع أن أُنكر ما أشعر به، ولا أن أتصرف وكأنك شخص عابر لم يترك في روحي أثرًا؛ فأنت تعرف، أو لعلّك لا تعرف، كم مرة ابتسمتُ بسبب كلمة منك، وكم مرة أخفيتُ اشتياقي خلف حديثٍ عادي، وكم مرة تمنّيتُ لو أنك تستطيع قراءة ما لا أجرؤ على قوله. أحيانًا لا أريد منك شيئًا عظيمًا؛ أريد فقط أن أشعر بأنني لستُ وحدي في هذه الحكاية، وأن ما ينبض في داخلي ليس صدى صوتي وحدي، وأنني حين أشتاق لا أشتاق إلى وهمٍ صنعته أحلامي، بل إلى إنسانٍ يجد في وجودي شيئًا يستحق أن يتمسّك به. أريد حبًّا لا يجعلني أتسوّل الاهتمام، ولا يدفعني إلى البحث عن مكانتي في قلب من أحب، ولا يجعلني أفسّر الغياب ألف مرة لأقنع نفسي بأن كل شيء على ما يرام؛ أريد حبًّا واضحًا، دافئًا، صادقًا، يشبه الأمان الذي طالما تمنّيتُ أن أجده. فأنا حين أحب، لا أحبّ بنصف قلب، ولا أترك لنفسي بابًا صغيرًا أهرب منه عند أول خوف؛ أنا أمنح الشعور صدقه، وأمنح الحضور قيمته، وأحفظ التفاصيل التي قد ينساها الآخرون، ثم أكتشف أحيانًا أن أعمق ما في الحب ليس قدرتنا على العطاء، بل قدرتنا على معرفة أين ينبغي أن نتوقف عن استنزاف أرواحنا. ومعك، أتمنى أن يكون الأمر مختلفًا؛ أن نكون حكاية لا يقتلها سوء الفهم، ولا تُطفئها المسافات، ولا تُربكها المخاوف التي لم نتعلّم بعد كيف نعترف بها لبعضنا. أتمنى أن يأتي يومٌ لا أضطر فيه إلى تخمين ما تعنيه نظراتك، ولا إلى عدّ الساعات بين رسائلك، ولا إلى إخفاء فرحتي حين أراك، لأنني سأكون قد وصلتُ إلى يقينٍ لا يحتاج إلى تفسير، وإلى حبٍّ لا يتركني معلّقة بين الأمل والانتظار. وحتى يأتي ذلك اليوم، سأظلّ أحمل لك شعورًا لا أعرف كيف أختصره، وأدعو لك بالخير في غيابك، وأبتسم كلما مرّ اسمك بخاطري، وأتعلّم أن أحبّك دون أن أنسى نفسي، وأن أشتاق إليك دون أن أفقد سلامي، وأن أترك للأيام فرصة لتكشف لي ما تعجز الكلمات عن توضيحه. فإن كنتَ قد جئتَ إلى حياتي لتبقى، فمرحبًا بك في قلبي، بكل ما فيه من حنانٍ وخوف، ومن أحلامٍ مؤجّلة وأمنياتٍ صغيرة؛ وإن كانت الأيام تخبّئ لنا طريقًا آخر، فسيبقى ما شعرتُ به تجاهك جزءًا صادقًا من حكايتي، لا أندم عليه لمجرد أن نهايته لم تأتِ كما تمنّيت. أحبّك، لا لأنني أضمن أنك ستبقى، بل لأن قلبي حين عرفك شعر بشيء لم يستطع تجاهله؛ ولأن بعض الأشخاص لا يعبرون حياتنا كالعابرين، بل يتركون في أرواحنا نافذةً تظلّ مفتوحة على ذكراهم طويلًا. وربما لن أخبرك يومًا بكل هذا، وربما ستقرأ في عينيّ ما عجز لساني عن قوله، لكن هناك حقيقة واحدة أريد للعالم أن يعرفها، حتى لو لم تعرفها أنت:
لقد أحببتُك بصدق، تمنّيتُك بحنان، وخفتُ عليك من الحياة كما لو أن جزءًا من قلبي يسكنك؛ وكل ما أرجوه أن تكون يومًا على قدر ذلك المكان الجميل الذي منحتُك إياه في داخلي.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق