هل يختار الإنسان مهنته، أم أنّ المهنة، في لحظةٍ غامضة، تعيد تشكيله على صورتها؟ وهل يكون القلم أداةً نُعبّر بها عن ذواتنا، أم مرآةً تكشف لنا ما حاولنا طويلًا إخفاءه عن أنفسنا؟
بين الصحافة والكتابة، يبدو الطريق واحدًا، لكنّ الظلال تختلف. هناك من يركض خلف الحدث كي لا يسبقه الزمن، وهناك من يتوارى خلف الكلمات بحثًا عمّا لم يقله الحدث. الأوّل يسأل: ماذا حدث؟ والثاني يتساءل: لماذا حدث؟ وبين السؤالين مسافةٌ لا تقاس بالحروف، بل بقدرة الإنسان على رؤية ما وراء الظاهر.
لكن، هل الحقيقة واحدة حين تمرّ عبر أقلامٍ مختلفة؟ وهل يكتب الصحفي ما يراه، أم ما تسمح له عيناه برؤيته؟ وهل يكتب الكاتب ما يؤمن به، أم ما تبقّى منه بعد أن ساومته الحياة على أحلامه؟
قد يبدو القلم حرًّا ما دام بين الأصابع، لكن من يضمن حرية اليد التي تحمله؟ ومن يملك الكلمات حين تصبح مصدرًا للرزق، ويغدو الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من البوح؟ أيمكن للمرء أن يبيع بعضًا من صوته كي يعيش، ثم يقنع نفسه بأنّ ما تبقّى منه ما زال صادقًا؟
لعلّ الغموض الحقيقي لا يكمن في الفرق بين الصحفي والكاتب، بل في تلك المساحة الخفيّة التي يلتقيان فيها، حيث تتحوّل الحقيقة إلى سؤال، والمهنة إلى اختبار، والكتابة إلى مواجهة صامتة بين ما نريد قوله وما نستطيع قوله.
وفي النهاية، حين يجفّ الحبر وتُطوى الصفحات، من يبقى خلف الكلمات؟ الكاتب الذي أراد أن يقول شيئًا، أم الإنسان الذي قضى عمره يحاول ألّا يفقد نفسه وهو يقوله؟
أترانا نكتب لنكشف ما يخفيه العالم، أم لنخفي بين السطور ما عجزنا عن مواجهته في أعماقنا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق