كاتبة وباحثة في الفلسفة والفكر
ما أعظم أن تتنفّس الذاتُ المدركة لنورها الحريةَ، بعيدًا عن العقول القاصرة التي تختزل الكائن البشري في بناء ذهنيٍّ قابل للعبث، وعقلٍ يشبه دميةً تُحرّكها خيوطُ سلطةٍ واهمة.
يقول الكاتب المصري محمد جبريل في كتابه للشمس سبعة ألوان:
لم تتعدد تفسيراتُ معنى من المعاني كما تعددت تفسيراتُ معنى الحرية. إنها — كما يقول التعبير الفلسفي — ما يجعل منا أشخاصًا، لأننا بالحرية نهبُ أنفسنا الوجود بعد أن كنّا مجرد أشياء.
وقد عرّف ابن رشد الحريةَ بأنها لقاءٌ بين ضرورتين: ضرورةٍ إنسانية وضرورةٍ طبيعية. ويرى جون ستيوارت مل أن الحرية حقٌّ طبيعيٌّ يملكه الإنسان بحكم الطبيعة. أما برياديف فيعرّفها بأنها القوة الداخلية المحرّكة للروح، والسير غير العقلاني للوجود والحياة والمصير. وفي تقدير هارولد لاسكي، فإن الحرية هي الأحوال الاجتماعية التي تنتفي فيها القيود التي تعوق قدرة الإنسان على تحقيق سعادته. بينما يعرّفها ديفيد هيوم بأنها «القدرة على التصرف وفق ما تحدده الإرادة».¹
والحق أن الحرية مفهومٌ عميقٌ شاسعُ الدلالات، وقد تحمل معنًى سلبيًا حين تنزلق من القوة العاقلة إلى القوة البهيمية، وما يستتبع ذلك من اندفاعٍ جارفٍ لمتطلبات النفس، واتساع في دائرة النهم، يعقبه استعبادٌ بالانحدار إلى مستوى أدنى من الإنسانية. يقول أبو حيان التوحيدي:
«الإنسانية أفق، والإنسان متحركٌ إلى أفقه بالطبع… ومن رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله، وسيّب هواه في مرعاه، ولم يضبط نفسه عمّا تدعو إليه بطبعه، صار إلى أرذل من البهيمة.»²
وفي سياقٍ قريب يقول لايبنتز:
«كلما كانت أعمالنا موافقةً للعقل كنّا أحرارًا، وكلما كانت خاضعةً للأهواء كنّا عبيدًا؛ ذلك أننا كلما تصرفنا على مقتضى العقل وافقنا كمال طبيعتنا، وكلما جرفتنا الأهواء استرقتنا الأشياء الخارجية وقهرتنا.»³
وقد يؤدّي الاستعمال المفرط للحرية إلى تدميرها عبر الفوضى، وانحطاط الأذواق، وسيادة الرداءة واللامعنى. يكتب ألان دونو في كتابه نظام التفاهة أن مونتيسكيو كان يحذّر من وجوب صون الحرية من الابتذال حين قال:
«إن ممارسة الحرية من قبل أكثر الشعوب تمسكًا بها تحملني على الاعتقاد بوجود أحوال ينبغي أن يُوضَع فيها غطاءٌ يستر الحرية كما تُستر تماثيل الآلهة.»⁴
فتُرفع الحرية هنا إلى مرتبة المقدّس الذي يجب العناية به وحمايته حتى لا يفقد جلاله؛ إذ كانت بعض التماثيل في الطقوس القديمة تُغطّى حفاظًا على هيبتها وقدسيتها.
وقد يتجلّى معنى الحرية أيضًا في رفض الاعتراف بإله يسيّر الكون، وتحميل الإنسان عبءَ المسؤولية المطلقة لأنه «محكوم بالحرية»، كما في الفلسفة السارترية عند جان بول سارتر. غير أن ما يعنينا هنا هو ما يحمله هذا المفهوم المتشابك من وعيٍ وإيجابية.
فالحرية ترتبط بمفاهيم كالمسؤولية، والكرامة، والوعي، كما ترتبط بحالاتٍ نفسية مثل السعادة والاطمئنان، لما تمنحه من ارتياحٍ نابعٍ من التحرّر من قوةٍ جائرة أو عابثة أو خانقة. وقد تتمثّل هذه القوة في الكبت، مثلًا، أو في مشروعٍ فكريٍّ إبداعيّ، حين تكون فكرةٌ كامنةٌ في الأعماق تسعى الذاتُ إلى إخراجها من حيّز الكمون إلى العلن، أي إلى المجال اللغوي لتحليلها نفسيًا وفلسفيًا.
وقد يتجلّى الأمر أيضًا في استنزاف الطاقة من قِبل أشخاص يمارسون — عبر إشغال العقل بالنقاش والتبرير وتقليب الأفكار — نوعًا من الاستعباد العبثي، باللعب على اللاوعي؛ إذ إنه لا يميّز بين الحقيقة والوهم في المرحلة التي تسبق اليقظة.
وقد يتخذ القيد صورةً أكثر عنفًا حين يُمنَع الإنسان من ممارسة حريته قسرًا؛ ومن الأمثلة الصادمة ما رواه شهودٌ من النساء العائدات من جزيرة جيفري إبستين، وما تعرّضن له من إهانةٍ وإهدارٍ للكرامة وتشييءٍ للإنسان، خلال احتجازهنّ هناك لخدمة شهواتٍ متعطّشة للتفوّق والسلطة والاهتمام الصاخب.
نعود إلى التجربة الذاتية؛ إلى عبور الوعي في داخلها وانعكاساته على الوجدان والعقل، وإلى مرور الأشخاص وما يخلقونه من معنى. فنقيم مفهوم الحرية حين يُمتصّ بفعل التهديم بدل البناء، ويُستنزف بدل أن يُحرِّر، ويُقيَّد بدل أن يُطلِق، ويُشوَّه بدل أن يُشكِّل، ويُشغِل ويُشتّت بدل أن يشدّ الانتباه إلى الجوهر ويجمع الأفكار.
إن الروح الحرة تبحث عن نسغ وجوديٍّ ينعش كيانها ويغذّي احترامها لذاتها، لا عن هواءٍ ملوّث يستنزف المعنى ويطفئ النور المتوهّج في الداخل.
فالحرية حقّ أنطولوجيٌّ لكل نفس أبية تدرك قيمة عقلها وكرامتها. ومن لا يمنحك من كتاب الوجود سطراً من معرفةً تنمّي كينونتك، ولا يضيف شيئًا إلى رحلتك في فهم النفس والعالم، لا يرقى لأن يكون طرفًا في علاقتك بالمعنى؛ فهو مشروعُ هدمٍ للوعي لا بناؤه، وانحدارٌ لا ارتقاء.
__________
¹ محمد، جبريل. للشمس سبعة ألوان: قراءة في تجربة أدبية، مؤسسة هنداوي، 2022، ص79
² جلال الدين، سعيد. معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، ص64
³ نفس المصدر السابق، ص158
⁴ آلان، دونو، نظام التفاهة. ترجمة وتعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر التوزيع، 2022، ص14
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق