البطاقة الأولى
كنتُ أجلسُ في زاويةٍ هادئةٍ من الحديقة، أراقبُ تراقصَ الظلالِ على العشبِ الأخضرِ وأنا أحاولُ أن أُكملَ كتابةَ فصلٍ من روايتي؛ حين هبّتْ نسمةُ هواءٍ باردةٌ استوقفتْ قلمي، وتأملتُ كيف تتشبثُ إحدى ورقاتِ الشجرِ بغصنِها الواهنِ أمامَ الريحِ بعنادٍ أخير. في هذا السكونِ الفلسفي، أدركتُ أن بطلَ روايتي، ومثلُهُ نحنُ في حقيقةِ الوجودِ، نستهلكُ أعمارَنا في التمسكِ بأشياءَ كُتبَ عليها الرحيل. إن الحكمةَ لا تكمنُ في مقاومةِ العواصفِ بل في مهارةِ الاستسلامِ الأنيقِ للمجهولِ حين يحينُ وقته. أغلقتُ دفتري بعد أن علمتني تلك الورقةُ أن أعظمَ الفصولِ تُكتبُ حين نجرؤُ على تركِ الغصنِ لنبدأَ رحلةَ السقوطِ الحر نحو الذات.
البطاقة الثانية
أنفاس خلف السطور
وقفتُ مطولاً أمام شاشةِ حاسوبي المضاءة، أُحدقُ في بياضِ الصفحةِ العاريةِ التي استعصتْ على كلماتي لشهورٍ متواصلة، بعد أن خبا بريقُ الشغفِ في داخلي وتحولت الحروف إلى مجرد أشباح باردة لا تنبض بالحياة؛ وحين كدتُ أُعلنُ الاستسلامَ التام وأغلقُ الجهاز غارقةً في يأسي، وقعتْ عينايَ بمحض المصادفة على مسودةٍ ورقية قديمةٍ، خططتُها بخطِ يدي ذاتَ يومٍ مضى، حين كان الإبداع يتدفق كالنهر دون حواجز. في هذا الصمتِ المتأمل الممتد بين بياض الشاشة الرقمية واصفرار الورقة العتيقة، أدركتُ حقيقةً فلسفية عميقة: أن الشغفَ لا يموتُ أبداً ولا يتلاشى في العدم، إنما هو كائن حي ينامُ كالجمرِ المستتر تحت رمادِ التعبِ، والركض اليومي، والانتظار الطويل. إنه ينتظرُ منا فقط أن نكفَّ عن ممارسة الوصاية على عقولنا، وأن نتوقف عن إجبارِ الكلماتِ على الولادةِ القيصرية قبل أوانِها النقي. الكتابةُ في جوهرها ليست سباقاً محمومًا مع الوقت لإتمام الفصول، ولا هي رغبة في ملء الفراغ بنصوص جوفاء، بل هي حالة إنصاتٌ ذكيٌّ وحميم لنبضِ الروحِ حين تصبحُ جاهزةً تماماً للبوح والتجلي. المأزق الذي نقع فيه ككتّاب هو أننا نطارد الإلهام متناسين أن الإلهام كطائر بري لا يأتي لمن يركض خلفه بشبكة، بل يستقر على كتف من يجلس بسكينة مستعداً لاستقباله. وفي تلك اللحظة الفارقة، شعرتُ بحرارة دافئة وغريبة تتدفقُ مجدداً في أناملي، كأنما الروح عادت تسري في جسد النص الميت. تحركت يدي تلقائياً نحو لوحةِ المفاتيحِ، لا لأكتبَ روايةً عظيمة تُبهر العالم أو تُخلد اسمي، بل لأمنحَ نفسي فرصةً جديدةً للتنفسِ الحُر والنجاةِ عبر الحروفِ التي طال غيابُها، معلنةً تصالحي التام مع عثرات الطريق وولادة فصلي الجديد بسلام.
.webp)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق