الإقرار وإصدار الأحكام في العمل الأدبي بقلم خيرة عبدالكريم



الإقرار وإصدار الأحكام في العمل الأدبي بقلم خيرة عبدالكريم


يُعدّ العمل الأدبي فضاءً رحبًا تتفاعل فيه الأفكار والمشاعر والمواقف الإنسانية، إذ لا يقتصر الأدب على نقل الأحداث أو وصف الشخصيات، وإنما يسعى في كثير من الأحيان إلى الكشف عن حقيقة الإنسان وعلاقته بذاته وبالمجتمع من حوله. ومن هنا يبرز عنصران مهمان في بناء الخطاب الأدبي، هما الإقرار وإصدار الأحكام، باعتبارهما وسيلتين للتعبير عن المواقف وتوجيه دلالة النص.

ويقصد بالإقرار في العمل الأدبي اعتراف الشخصية أو الراوي بحقيقة معينة، سواء تعلقت بفعل ارتكبه، أو موقف عاشه، أو شعور داخلي ظل يخفيه. وقد يأتي الإقرار صريحًا ومباشرًا، من خلال الاعتراف الواضح بالقول، وقد يكون ضمنيًا تستشفه من تصرفات الشخصية أو من سياق الأحداث. ويؤدي الإقرار دورًا مهمًا في الكشف عن خبايا النفس البشرية، لأنه ينقل القارئ من ظاهر الأحداث إلى أعماق الشخصية ودوافعها.

ولا يقتصر الإقرار على الاعتراف بالخطأ أو الذنب، فقد يكون إقرارًا بالحب أو الخوف أو الندم أو العجز أو الحقيقة. ولذلك فهو يمنح الشخصية بعدًا إنسانيًا، ويجعلها أكثر قربًا من القارئ، خصوصًا عندما تكشف عن ضعفها أو تناقضاتها. كما يمكن أن يكون الإقرار نقطة تحوّل في مسار العمل الأدبي، إذ يساهم في تغيير مجرى الأحداث أو إعادة تفسير مواقف سابقة.

أما إصدار الأحكام فيتمثل في المواقف التي يتخذها الراوي أو إحدى الشخصيات تجاه الأشخاص والأفعال والأحداث. فقد يحكم الراوي على سلوك شخصية ما بالصواب أو الخطأ، أو يصف موقفًا بأنه عادل أو ظالم، أو يعبّر عن موقف أخلاقي أو اجتماعي من قضية معينة. وقد تكون هذه الأحكام مباشرة، حين يصرح بها الكاتب أو الراوي، أو غير مباشرة، حين يترك للقارئ مهمة استنتاجها من الأحداث والحوارات والنتائج.

وتكمن أهمية الأحكام في أنها تمنح العمل الأدبي بعدًا فكريًا وقيميًا، غير أن الإفراط فيها قد يحوّل النص إلى خطاب وعظي مباشر، ويقلل من مساحة التأويل أمام القارئ. لذلك يلجأ كثير من الأدباء إلى تقديم الوقائع والشخصيات بطريقة تجعل القارئ يشارك في بناء الحكم، بدل أن يتلقى موقفًا جاهزًا.

ويرتبط الإقرار بإصدار الحكم ارتباطًا وثيقًا؛ فالإقرار يكشف الحقيقة أو جانبًا منها، بينما يأتي الحكم بوصفه استجابة لهذه الحقيقة. فقد تعترف شخصية بخطئها، ثم تواجه حكم الآخرين عليها، أو قد يعترف الإنسان بضعفه دون أن يكون ذلك مدعاة لإدانته. وهنا تتجلى قدرة الأدب على طرح الأسئلة الأخلاقية والإنسانية دون تقديم إجابات نهائية بالضرورة.
ومن الناحية الفنية، يسهم الجمع بين الإقرار والحكم في بناء التوتر الدرامي وتعميق الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات. فحين تكشف الشخصية عن سر أو تعترف بفعل ما، ينتظر القارئ ما سيترتب على هذا الاعتراف. وقد يكون الحكم الصادر من شخصية أخرى مخالفًا لما يتوقعه القارئ، مما يفتح المجال أمام تعدد وجهات النظر. كما أن العمل الأدبي الناجح لا يجعل الحكم منفصلًا عن السياق، بل يربطه بالشخصيات والظروف الاجتماعية والنفسية التي أنتجته. فالكاتب قد يعرض شخصية ارتكبت فعلًا مرفوضًا، لكنه في الوقت نفسه يكشف الظروف التي دفعتها إليه، فيصبح القارئ أمام سؤال أكثر تعقيدًا من مجرد الإدانة أو التبرئة: هل نحكم على الفعل وحده، أم ننظر أيضًا إلى دوافع صاحبه وظروفه؟
وفي النهاية، يمكن القول إن الإقرار وإصدار الأحكام عنصران أساسيان في تشكيل المعنى داخل العمل الأدبي. فالإقرار يكشف المستور ويمنح الشخصيات عمقًا نفسيًا وإنسانيًا، بينما تكشف الأحكام عن منظومة القيم والمواقف التي تحكم عالم النص. وبين الاعتراف والحكم تتشكل مساحة واسعة للتأمل والتأويل، تجعل القارئ شريكًا في فهم العمل وليس مجرد متلقٍ لأحداثه. ولذلك يظل الأدب قادرًا على طرح القضايا الإنسانية الكبرى من خلال تجربة الشخصيات وأصواتها ومواقفها، تاركًا للقارئ مساحة للتفكير واستخلاص الدلالات.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق