فتاة المطر - نص الكاتبة سناء سليمان قدوري

فتاة المطر    - نص الكاتبة سناء سليمان قدوري


على حدود القرية، وفوق ذلك السور القديم، تجلس وهي تحدق في الأفق، تسرح بخيالها إلى أبعد نقطة منه. فجأة، ودون سابق إنذار، تسمع صوت خالتها يتعالى: "أين أنتِ؟ تأخرتِ، سيفوتك الغداء!"

تحمل دلو الماء في يديها وتنزل الدرج مسرعة، تكاد تسقط، وهي مبتسمة لأنها تعرف أن خالتها ستعاتبها: أين كنتِ؟ مع من؟ ماذا كنتِ تفعلين؟ تتوالى صرخات خالتها عليها كأغنية عذبة اعتادت سماعها كل يوم.

تنهي الدرج لتكمل الطريق الترابي بين أغصان شجر العناب وبعض من شجر الرمان والتفاح، ثم شجر الزعرور، لتصل إلى المكان الذي كانت ترهب منه، إنها سيقان التمر الهندي وأشواكه المرعبة... وأخيراً وصلت، واستمعت إلى سيمفونية الخالة التي تعزفها بمهارة. تضع المياه في مكانها وتغتسل، ثم تجلس أمام جدتها. - لا تنزعجي من خالتك، إنها تخاف عليك... - ثم أنتِ، ألم تملي من الركض بين حقول الزرع؟ لقد كبرتِ وأصبحتِ عروساً، ليست كل الأماكن الآن متاحة لكِ، أدركي ذلك وافهميه. مبتسمة كعادتها: حسناً، فهمت، لن أكررها. بسم الله، طبخك كل يوم يصبح أحلى يا جدتي، إنك تتحسنين. - أجل، أنا آخذ من حلاوتك وأضع فيه، لذا يصبح هكذا. - هيا، ليس وقت المزاح، الأكل سيبرد. بعد الانتهاء، تساعد في ترتيب الغرفة، وبينما يستلقي الجميع لأن الجو بارد، تتسلل هي خارجاً، تنزل إلى الحديقة السفلى وتتجول فيها. تستمتع بتلك النسمات التي تخترق قلبها لتجعله منتعشاً. وبينما هي تلعب كطفلة مدللة، تبدأ قطرات المطر بمعانقة شعرها الطويل. تركض نحو الأعلى تسابق المطر علها تصل قبل أن تتبلل، ولكن الجو لا يستأذنها، وتفتح السماء أبواب الخير، فتغرق رجلاها الصغيرتان في الطين، تسقط مرة وتفوز مرة، وكل ما يشغلها أنها وسخت ثوبها وخالتها ستوبخها. حين تدرك أنها الخاسرة، تختبئ في خُمِّ الدجاج، إنه أقرب مكان لها. تجلس قرب المدفأة الصغيرة، فجدها بنى داخل كل خُمٍّ مدفأة لأن الجو صعب في الشتاء ولا يريد لحيواناته أن تبرد. تزيد بعض الحطب وتستلقي فوق التبن وتبدأ بمداعبة قطتها، تحدثها عن أحلامها. صوت المطر فوق السقف يقرع كأنه موسيقى تهدئها، فتغفو كأنما تنام في الجنة. تفتح عينيها بثقل وكأن فوقهما جبل من الأحلام، ويُزفر حلقها بسعال يرعب صيصانها. - إنها هنا، وجدتها... تعالي... ماذا تفعلين بنا؟ أرعبتِنا... سيكون عقابك اليوم كما لم يكن من قبل. - اعتذر، سبقني المطر فغلبني. وترفع يدها متعبة لتمسح دمع خالتها المنهمر كحبات اللؤلؤ ولكنها لا تصل. - أسرع، احملها... إلى المشفى، حرارتها مرتفعة. تستيقظ بعد مدة لتجد والدها ووالدتها بجانبها: أين خالتي؟ أين أنا؟ لن أكررها، سامحيني. تنهمر منها الدموع وتتخبط بين يدي والدها. يسارع الطبيب بإخراج الجميع. تتنفس بهدوء وتسأل الطبيب: ما اليوم؟ - أهلاً بك يا حلوة، ما اسمك؟ - ياسمين. - ما عمرك؟ - أنا في الخامسة والنصف. - أي يوم نحن فيه؟ - اليوم الاثنين أو ربما... - لماذا تقولين ربما؟ - لأني نمت والجو كان عاصفاً، لكني أرى المكان مشمساً وكأننا في الربيع. - فعلاً أنتِ كما قيل عنك ذكية وفطنة، نحن في يوم الخميس. الطبيب: نتائج تحليلها تؤكد ما أخبرتكم به، تعاني فقر دم وتحتاج إلى عناية. تبدل ثيابها والحزن يأكل قلبها، تبحر بعينيها في ساحة المشفى عساها تلمح طرف ثوبها، هي لن تودعني، أعرف هذا جيداً. وتجول شاردة الذهن بين نوافذ السيارات إلى أن تلمحها... أخيراً تبتسم وترتاح بصدق وتنطلق إلى سيارة أبيها دون تردد، فقط التقت نظراتها بنظرة خالتها وغسلت قلبها بنور حبها: إلى لقاء قريب أيتها الغاضبة الحنون، سأعود بسرعة. ابتدأ الموسم الدراسي وانشغلت بالتركيز على دروسها. اختلفت الحياة في المدينة عن الريف، لكن صوت المطر وهو يرتطم بألواح القصدير ما زال يطربها. بعد سنين، هذه العطلة كانت مختلفة جداً، أصبحت الطفلة المشاغبة عروساً، وانتظرت جدتها بشهادة الإعدادية تحمل تقدير جيد جداً. - جدتي، أتحتاجين شيئاً؟ أنا سأنزل قليلاً. - إلى أين؟ عودي إلى هنا، الشمس حارقة. - لا تقلقي، أنا سأكون عند عين الماء. وكبرتُ يا جدتي، وعرفتُ أن عين الماء التي كنتِ ترسلينني إليها لم تكن ماءً فقط، كانت درساً في العطاء. فهمتُ الآن لماذا كنتِ تخافين عليّ من كل الحقول، ولماذا كانت خالتي تصرخ وتعاتب، لأن الحب عندنا كان قاسياً ليحمينا. اليوم، وأنا أمشي إلى عين ماء أخرى بعيدة، في هذه المدينة التي لا تعرفني، أتذكر خالتي تلك المرأة التي كانت تفعل مثلي تماماً، تفتح قلبها كخُمّ دافئ لكل من أتعبه الطريق.
أدركتُ أن كل امرأة تمنح دون أن تنتظر الشكر، هي خالتي، وهي خالتي مليكة، وهي جدتي التي كانت تأخذ من حلاوتي لتجعل طبخها أحلى. كلنا فتيات مطر، نركض ونقع في الطين.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق