بطاقات كاتبة - ريماس طاهات كاتبة من الأردن


 

بطاقات كاتبة   -  ريماس طاهات

 أنا عندي حنين


أحنُّ إلى أماكن لم أزرها، فهل هذا ممكن؟ أحنُّ إلى زمانٍ غير زماني، أليس ذلك بعجيب؟ أخبرني بتأففٍ ذاك المتعجرفُ أنَّ الإعجاب بمكانٍ أو حقبةٍ زمنية لا يعني بالضرورة  إليه. غمغمتُ بشيءٍ غير مفهوم وأدرتُ ظهري له؛ فأنا أحنّ، ولا أحد يعترف بحنيني إذ لا مكان له في الواقع من الأساس.

 أحنُّ إلى سوريا.. لم أزرها، ولم تطأ قدماي أرضها يوماً، إلا أنني في كل يوم تنتابني حسرة؛ حسرة الغائب المغترب عن وطنٍ يشتاق إليه، بل ويجده في تفاصيل بسيطة تسليه في غربته. لا ملجأ لي من حنيني إلا ما خلفته سوريا من دراما قديمة، إذ إن حنيني مرتبط بزمان لم أعشه، أتنشق عبيره في الشاشة القديمة، وأطرب لكل تشويشة في الصوت سببها الزمن. أحنُّ إلى الماضي كعجوزٍ خرفة، لستُ مسنة ولم أفقد صوابي بعد.

 فجُد عليَّ يا زمان بما يفسر لي هذا الحنين، ففي ذلك ما سيريحك، وأنا في كل الأحوال سأبقى ملتصقة بالشاشة، أندب ماضياً لم أعشه، وأطلب مستقبلاً يعبق برائحة الماضي." .. وكما قالت فيروز-الله يخليها-: «أنا عندي حنين ما بعرف لمين»."


 كوميديا البكاء 

 ضحكتُ في ذلك اليوم.

لم أشعر بشيء. لم تتحرّك دموعي في مقلتي كالناس من حولي.

 إلّا أنّ وعدها كان غير ذلك.

أخذت عهداً على نفسها بأن تنهمر في أكثر الأوقات غير المتوقّعة.

 فها أنا أشاهد مسلسلا كوميديا، وأبكي في الوقت نفسه فراقي من أُحب.

أبكي دون أن أعي ذلك.

أبدو كالمجنونة حقاً: أشاهد ما هو مضحك، وأبكي كالمختلّة.

 لم تُعلِّمْني الحياة كيف أُعامل الفراق.

فأجدني خائفة منه، أُهيئ نفسي له في أواسط اللحظات الحلوة، فأنغِّص على نفسي حلاوتها ولذّتها.

وينتهي بي المطاف خاسرة في كل الأحوال: فلا أنا هَنِئتُ بلحظة حلوة، ولا تحضيري هذا خفّف من ألم الفراق ولوعته.

 فأخرج من اللحظة، كما يقول إخوتنا في سوريا:

"من المولد بلا حمص".


    سي السيد: ساد... ولا ما سدش؟؟       

يا جماعة، أنا مسمعتش عن بيت يتحرم فيه الحلال زي بيتكم ده!

 جملة قالها صلاح السعدني بشخصية "سي ياسين" عند زواج شقيقته دون مظاهر احتفال. بجملة واحدة استطاع تلخيص حالة منزل كاملة، التي مثلت حالة مجتمع كامل.

إذ أن نجيب محفوظ في ثلاثيته (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) استطاع إماطة اللثام عن تناقضات الرجل المصري والعربي آنذاك. فذات الرجل الذي يصرخ في زوجته لعلو صوت بناته، أو لتأخر أبنائه قليلاً بعد دواماتهم، هو الذي يخرج ويسكر ويعربد مع نساء خليعات في آخر الليل، دون أن يعرف أحد بذلك؛ لأن الأمر سيهز صورته أمام عائلته التي تراه أشبه بالقديس.

 تلك الحياة المزدوجة، بكلتا وجهيها، هي التي كانت سائدة دون اعتراف من أحد، مما دفع محفوظ إلى توثيقها، حائزاً بذلك كراهية من بعض الرجال إلى يومنا هذا. وحقيقة، أفهم ذلك؛ فهو كشف ازدواجيتهم أمام أنفسهم في إطارها الكامل.

 فالرجل الذي يرفض الاحتفال بالزفاف لأنه، لا سمح الله، "واحد من العيال ممكن يشرب شاي قدامي يا أمينة"، هو نفسه الذي تم سلبه عقله وأمواله بتسبيلة عينين من عالمة شابة.

 وبين هذه الحياة وتلك، يفقد الرجل هويته، ليصير مسخاً في عين نفسه قبل الآخرين.

 وفي النهاية، لا يسعني بعد هذا التحليل إلا أن أقف احتراماً أمام سي السيد (مش لأنه سي السيد، لا بس محمود مرسي كان يخوفني حقيقي).

 

التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق