ثمة وقارٌ شاعريٌّ يغمر القرى الجبلية النائية حين يتأهب الشتاء لسكب أولى قطرات المطر؛ ذاك الوقار الذي احتضنني قبل ليلتين حين دلفتُ عتبة قريبتي، وكانت السماء فوقنا ملاءةً مثقلة بغيوم رمادية داكنة، تحبل في أحشائها بتباشير غيثٍ وشيك.
لم يكن لبرد
اللّيل العالق بأطرافي أن يذوب، لولا تلك البشاشة الآسرة والبهجة الطاغية التي دثرتني بها عند اللقاء، وكأنها تزيح عن عاتقي وعثاء السفر في مسحة عين.
اللّيل العالق بأطرافي أن يذوب، لولا تلك البشاشة الآسرة والبهجة الطاغية التي دثرتني بها عند اللقاء، وكأنها تزيح عن عاتقي وعثاء السفر في مسحة عين.
غرقنا معاً نشيّد من خيوط الأحاديث المسترسلة والضحكات العفوية رداءً يملأ زوايا الحجرة بالدعة والأنس، بينما كان كوب الشاي المعتق بالنعناع ينفث أبخرته الزكية في فضاء الغرفة، باعثاً في الروح طمأنينةً طال اغترابها.
بَيْدَ أنه، وكعادة أهل الريف في الاستسلام الباكر لسكينة المساء، دنت ساعات الليل وئيدة، فاستأذنتني بابتسامة وادعة لتلتحف النوم.
ومع تواري طيفها خلف رتاج الباب، خمدت جلبة الأحداث العابرة، وألفيتُ نفسي وحيدةً في محراب صمتٍ غائر، صمتٍ نقيّ مبرّأ من ضوضاء المدينة الزائفة، ليفجر في وجداني ينابيع التأمل، وينبش من دفاتر الذاكرة ما كان طيّ الكتمان.
تسللتُ نحو النافذة، ورحتُ أراقب من خلف زجاجها الرمادي حبات المطر التي بدأت ترتطم بعنف بالطريق الجبلي المنحدر المستسلم للبرودة.
نسمة هواء باردة نفذت من شق صغير, فجعلتني أرتجف وأضم معطفي حولي.
في تلك اللحظة بالذات، انبعثت من المشب رائحة حطب محترق، فامتزجت برائحة الأرض المبللة بالخارج. أغمضتُ عيني،، سحبتني هذه الأجواء الطاغية برائحتها وصوتها إلى الوراء سنوات طويلة.. إلى ليلة شتوية عاصفة تشبه هذه الليلة تماماً، لكنها كانت في بيت جدتي.
تذكرتُ حين انقطعت الكهرباء فجأة ونحن صغار، فتعالت صرخاتنا خوفاً من صوت الرعد القوي الذي زلزل أركان البيت العتيق.
في تلك العتمة، ظهرت جدتي وهي تحمل سراجاً صغيراً، يضيء وجهها الطيِّب ويبدد ذعرنا. جلستْ بهدوء ونادتنا بصوتها الحنون: "تعالوا إليّ، المطر رزق وخير الله لا يُخيف".
تحلّقنا حولها، وافترشنا الأرض حول النار في مشبّها الصغير.
أتذكر جيداً كيف كانت تمسك يدي الباردة، وتفركها بين كفيها الدافئتين بحنان أبدي، وتقرأ علينا آيات من القرآن حتى يهدأ روعنا، ثم تسكب لنا الشاي الساخن المعتق بالنعناع، وهي تقص علينا حكاية قديمة عن الشتاء، فنسينا البرد والخوف معاً.
أفقتُ من ذهولي على صوت طقطقة الخشب في المشب، ليعيدني الواقع إلى مجلسي الحالي . نظرتُ إلى كفيّ الباردتين الآن، والتفتُّ حولي فلم أجد سوى طيف جدتي الراحلة الذي يرفض أن يغادر مخيلتي. أدركتُ الليلة، وسط أجواء القرية وسكونها الباكر، أن الشتاء ليس مجرد فصل في العام، بل هو موقف يتكرر لينبش في دفاتر الذكرى، ويخبرنا أن بعض الراحلين كانوا هم الدفء الحقيقي في صقيع هذا العالم.
.webp)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق