غـزّة بين اليأس و الأمل .. نص د.إيناس فضل الله عجينة

 غـزّة بين اليأس و الأمل .. نص د.إيناس فضل الله عجينة

بين رهبة الموت، والتشبث بالأمل في الحياة، أقف حائرة، وأسأل نفسي مرارًا: هل ضاقت الأرض بما رحبت حتى نصل إلى مرحلة نرفض فيها العلاج؟

كانت مناوبة الليلة الماضية مختلفة؛ مليئة بالضغط النفسي أكثر من الجسدي، لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذهني تلك الحالة التي لم أستطع تجاوزها بسهولة.
سيدة في التسعين من عمرها، فاقدة للوعي. لم تكن هذه المرة الأولى التي تدخل فيها المستشفى؛ فقد كانت تتردد عليه منذ نحو شهرين. أتذكرها جيدًا، فقد كان دخولها السابق بسبب التهابات شديدة في الرئة.
هذه المرة جاء بها أبناؤها بعدما فقدت وعيها. وبعد أخذ التاريخ المرضي والاطلاع على التحاليل، بدا أنها تعاني من تسمم دموي شديد.
كانت تفيق أحيانًا من غيبوبتها، تدخل في حالة من الهياج والغضب، مع حركات لا إرادية وعنيفة، ثم تعود إلى النوم من جديد.
أنهيت إجراءات دخولها إلى القسم، وأوصيت المرافقات بتسليم أوراقها إلى تمريض القسم، ثم ذهبت لأرتشف القليل من القهوة وألتقط أنفاسي.
بعد نحو ساعة، عدت وسألت التمريض عنها.
فكانت الإجابة:
«لم تأتِ أي سيدة إلى القسم حتى الآن، رغم أن تمريض الاستقبال أبلغنا بوجودها.»
ذهبت إلى الاستقبال… لم أجدها.
وقفت هناك، وقلبي يخفق بشدة، والسؤال يلحّ في رأسي:
لماذا؟!
لماذا رحلوا بها؟
هل هو اليأس من الشفاء؟
أم التعب من كثرة المحاولات؟
أم فقدان الشغف في الاستمرار بالعلاج بعد أشهر طويلة من المرض؟
أم لأن أبناءها، أمام ضعفها وكبر سنها، فقدوا الأمل فيها؟
أم لأن المنظومة الصحية نفسها أصبحت عاجزة، في ظل ما نسمعه ونراه من شحّ في الأدوية والعلاجات والإمكانات؟
لا أعرف.
لكن ما أعرفه أن المشهد كان مؤلمًا جدًا.
مؤلم أن يقف الإنسان بين واجبه كطبيب، ورغبته في إنقاذ حياة، وبين واقع قد يكون أقسى من كل محاولات الإنقاذ.
ومؤلم أكثر أن تصبح بعض الأرواح معلقة بين رغبة في الحياة، ويأسٍ من إمكانية الوصول إليها.
ربما لم يكن السؤال الحقيقي: لماذا لم تكمل العلاج؟
بل كان: متى يصل الإنسان إلى النقطة التي يفقد فيها القدرة على الاستمرار في المحاولة؟
ننتظر فقط أن يتغير هذا الحال…
أن تعود للطب إنسانيته، وللمستشفى قدرته على الاحتواء، وللمريض حقه في أن تُبذل من أجله كل فرصة ممكنة.
فبعض المشاهد لا تنتهي بانتهاء المناوبة…
بل تبقى في القلب، وتعيد نفسها في الرأس مرارًا، وتترك سؤالًا موجعًا لا نجد له إجابة.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق