بعيدا عن المدينة، قريبة إلى الحياة.
في عيدٍ، يقولون إنّه لها، يبيعون الوهم على قارعة المعنى، ككلّ التجّار.
تقابلني امرأة صامدة كالتاريخ، كالذاكرة، امرأة لا تعرف كيف تعبس في وجه العابرين، ولو على وجع . تقابلنا بضحكتها المتمرّدة، لا تكفّ عن معاقرة الصبر.
امرأة ناعمة، رغم قساوة الدهر، وجروح المعول على يدها البيضاء، كقلبها. وإن كان للشمس رأي آخر، لتهديها السُّمرة مهرًا للتعب.
لم تخبرني أنّها متعبة، بل تركت للوقت حرية الحديث عنها. سمعت أنين الروح في خفقاتها، كان الخوف والوجع والصبر مواطنين أوفياء داخل أعماق نظراتها، وفي رجفة قلبها الممتلئ بالحب.
تقول وهي ترسم وجهًا مشرقًا، كقمر بلغ الاكتمال، تقول وهي تقدّم لي حبّة تين لا ألذّ منها:
«أخبري عنّا، أخبري أولئك الجالسين على منصّات التتويج أنّنا هنا. لا نعرف معنى أن تُقام ولائم على شرف النساء، لا نعرف معنى أن نبرز كقضية، أو أن يُعترف بوجودنا من مرّ على ديارنا، ليشرب ماءً تدفّق به أراضينا، ويأكل ثمرًا قدّ من أكتافنا، ويلبس ثوبًا حاكته أصابعنا حتى نالها نصيبٌ من الوجع.
أخبري من استظلّ بنا أنّ للأشجار عليك حقًّا، وأخبري من داسنا أنّ للتراب عليك حقًّا.
أخبري المحتفلين والمحتفلات أنّ ثمّة نساءً شابهنّ الرجال، ليس خجلًا من أنوثتهنّ، ولكن خشونة الأرض جعلت أجسادهنّ قاسية، وأحلامهنّ مشوّهة.
أخبري المحتفلين والمحتفلات أنّ ثمّة نساءً هنا لا يشبهن نساءكنّ، لا يلبسن قشوركنّ، ولا يبدين زينتهنّ، إلا ما تركه الدهر في قلوبهنّ من زينة.
ثمّة نساء هنا، لا يسلكن إلا طريقًا وعرة، يفتحن في الجبال معجزات، ويفجّرن في الأرض أرحامًا خصبة، لا تلد إلا خيرًا، ولا تلقى إلا نكرانًا وغيًّا...
نساء هنا لا تعرفهنّ الاحتفالات، لا يعرفن للمرأة عيدًا، لا يعرفن لها حتى الحياة.»
نودع الصيف، على أنفاس الشمال الغربي المثخنة....
.webp)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق