​جغرافيا الحنين: هل نسكن الأماكن أم تسكننا الذكريات؟ - الكاتبة مريم جابري

​جغرافيا الحنين: هل نسكن الأماكن أم تسكنا الذكريات؟


​حين نغادر مكاناً ما، نتوهم بغرور أننا فارقناه؛ فنظن أن الأمتعة المضبوبة والمسافات الفاصلة قادرة على بتر حبل الوجود الممتد بيننا وبينه. غير أن الفينومينولوجيا، بتأملاتها العميقة في إدراك الجسد والفضاء، تصدمنا بالحقيقة الأوجع: نحن لا نترك الأماكن وراءنا، بل هي التي تتخذ من أجسادنا مستقراً، وتحفر في أعماقنا إحداثياتها السرية.

​فالمكان ليس مجرد مساحة صماء تحاصرها الجدران، بل هو "امتداد عضوي للذات". عطر عالق بزاوية منسيّة، ملمس ضوء شمس الأصيل على نافذة قديمة، أو صدى خطوات غائرة على بلاط بارد؛ تفاصيل لا تُختزل في عدسة البصر، بل تُطْبَع في الذاكرة الحياتية للجسد. وحين يباغتنا ذلك الحنين المفاجئ لنيل تفاصيل يبدو ظاهرها تافهاً، فنحن لا نبكي الحجارة، بل نبكي أجزاءً منا توقفت هناك، كأنما تركت أرواحنا معلقة على مشاجب الغياب، تأبى العودة.

​من هنا يتشظى السؤال الجذري: أهو الحنين (Nostalgia) شوق حقيقي لزمن انقضى وانطوى، أم أنه حنين لحالة شعورية فريدة استقرت في قاع الوعي؟

​حين نغوص في العيادة النفسية وتحليلات الوعي، نكتشف أن الحنين ليس مجرد رغبة رومانسية في العودة للماضي، بل هو "ميكانيزم دفاعي" واقي يلجأ إليه العقل هرباً من صدمة الحاضر واغترابه. فعلى مستوى البناء النفسي، يعيد الإنسان صياغة ذكرياته ليخلق "وطناً افتراضياً" آمناً، يرمم فيه شروخ واقعه اليومي. نحن لا نحمل الأيام كما عاشرتنا بمرارتها، بل نحمل "صصورتها المصفاة"؛ تلك الكثافة الشعورية التي صاغت صفاءنا الأول قبل أنثاق الصراعات وتآكل الروح بيوميات الحداثة السائلة.

​وعلى الصعيد الفلسفي الوجودي، يتحول الحنين إلى نوع من "الحداد الخفي"؛ إنه إقرار صامت بأننا كائنات عابرة، وأن الزمن يلتهم كل ما نحب. الذكريات ليست مجرد ألبوم غبار وأوراق باهتة، بل هي "السلطة الخفية" التي تعيد هندسة أرواحنا بصمت، والكهف الأخير الذي نلوذ إليه كلما ضاقت بنا سعة العالم. إننا نتحسر لأننا ندرك بالفطرة أن تلك اللحظة الفريدة لا تترجم إلى صيغة تكرارية؛ فالزمن لا يعود للوراء، وكل ما نملكه هو صدى الأثر. ​وما سر هذا الحنين إلا قدرته المزدوجة على الإيلام والتعزية؛ فهو يدمينا لأنه يذكرنا بما استحال استرجاعه، وفي ذات اللحظة، يدفئنا لأنه الدليل القاطع على أننا أحببنا بصدق، وأن أعماقنا كانت قابلة للاحتضان.
​تلك هي جغرافيا الروح الحقيقية: مساحات لا تُقاس بالأميال، بل بالأثر الذي تتركه الأشياء حين تمر بنا. فنحن لسنا سوى محصلة للأماكن التي سكنتنا، والذكريات التي ترفض أن ترحل، حتى وإن توهمنا يوماً أننا في مهب النسيان راحلون.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق