كرامتك ليست ثمنا للرزق -عبدالله جمعة المشايخي


كرامتك ليست ثمنا للرزق  عبدالله جمعة المشايخي

جاءت الشريعة الغراء متممة لمكارم الأخلاق، ليرتقي بها الإنسان ويحيا بعزة ترفع شأنه بين الأمم. وإن ابتغينا غير ذلك، أذلنا الله ذلة يسخر منها أرذل الأقوام. وما أعز الإنسان حين يكون زاهدا ورعا، يخشى أن يتسلل إلى نفسه الكبر، فيطغى ويظلم خلق الله في البر والبحر والسماء.
بالأمس حدثني أ.ن عن قصته. كان يعمل في مؤسسة خاصة بإحدى الدول العربية، وسأكتفي بالإشارة إليه بهذا الرمز حتى يتسنى لي الحديث بحرية.
قال لي: «لقد انقشعت عني الحقيقة يا عبدالله. طوال مسيرتي العملية بقيت في مكاني، حتى غدوت ككيس ملاكمة ودمية للصفع؛ كل من مر بي ألقى علي من الشتائم والإهانات ما شاء. وكانت تسند إلي أعمال وهمية لا تنتفع منها المؤسسة، وإنما كانت تكلف بها من باب العبث والتسلية. نقلت بين دوائر عدة، وكأنني عبد جيء به ليرفه عن أسياده.
كنت أموت في اليوم ألف ميتة، وأخشى حتى أن أتكلم، مخافة أن تنقلب الآية علي فأفقد عملي. وكان كل يوم يمضي من عمري يكشف لي، دون أن أدرك، مقدار ما كنت أظلم به نفسي حين أصمت تحت وطأة الاستبداد.
وفي إحدى المرات، عدت من العمل مثقلا بالانكسار، أبكي ضعفي وقلة حيلتي. أخرجت هاتفي، وأخذت أقلب المقاطع القصيرة حتى مر بي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه». قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: «يتعرض من البلاء لما لا يطيق».
أقسم لك يا عبدالله، كأن ماء باردا انسكب على قلبي في تلك اللحظة. أدركت أن القرب من الله ليس صورة نظهرها لأنفسنا، ولا شعورا زائفا بالتقوى، بل بصيرة تعيد للإنسان وعيه بنفسه وكرامته. كنت أظن أنني من أتقى الناس، ثم اكتشفت أنني، مع محافظتي على فرائضي، كنت ضعيفا في مواضع كان ينبغي لي فيها أن أكون أكثر وعيا وثباتا.
بدأت أخالط الناس، وأستمع إليهم، وأتعلم منهم، حتى صرت أقوى فهما وأثبت موقفا. ومنذ ذلك الحين، أخذت أرى هشاشة أولئك الذين كانوا يتسلطون علي، بعد أن كنت أتوهم فيهم قوة لا ترد. وشيئا فشيئا، تبدلت ملامحي؛ لم أعد ذلك الرجل المنكسر، بل صار في وجهي شيء من العزة التي افتقدتها طويلا.
ثم جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أن المؤسسة قائمة على تجاوزات خطيرة وجرائم في حق المجتمع والدولة. هذه المرة لم أتراجع، ولم أستسلم للخوف كما كنت أفعل من قبل. أبلغت الجهات الأمنية بما أعلمه، وتعاونت معها فيما طلب مني.
ولا أنسى ذلك المشهد حين حاول المدير تسلق السور هربا من رجال الأمن. يومها فقط أدركت كم كنا نخطئ حين نظن أن كل متسلط قوي؛ فقد يكون أكثر الناس صراخا وسطوة، وأضعفهم حين تأتي ساعة الحقيقة».
أما اليوم، فيعمل أ.ن مندوبا لتوصيل الطعام، ويقول إنه يعيش في غاية الرضا والسعادة، على ما يحيط به من ضيق الحال والعوز. وكلما شعر بالانكسار، تذكر ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع، فيستعين بالله ويمضي راضيا مطمئنا.
إن كنت تؤمن بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تضعف حتى تسلك مسالك الذلة؛ فرزقك قد كتب لك، فلا تكتم الحق خشية مخلوق فتظلم غيرك، ولا تتوان عن الدفاع عن نفسك، فإن لنفسك عليك حقا.
خلقت لتكون عبدا لله وحده، لا عبدا لمخلوق جائر. فلا تجعل خوفك على رزقك يسلب منك كرامتك، ولا تجعل حاجتك إلى الناس تحملك على الصمت عن ظلمهم. قد يضيق عليك الرزق، وقد تفقد منصبا أو مالا أو مكانة، ولكن ذلك أهون من أن تفقد نفسك وأنت تحاول الاحتفاظ بها.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق