إلى أي مدى يمكن أن نأمن على واقعنا الثقافي، حين تصبح صناعة الكتاب مرتبطة بالموهبة من جهة، وبالعلاقات وشبكات الاعتراف من جهة أخرى؟ وهل يمكن أن تتحول الرتب والأوسمة والجوائز إلى معيار لصناعة جيل ثقافي كامل؟
ليست الكتابة دائمًا مجرد موهبة تجلس وحيدة أمام ورقة بيضاء. خلف الكتاب أحيانًا عالم كامل من العلاقات، والصداقات، والمؤسسات، واللجان، والمنابر، والجوائز، وشهادات التقدير. وكلما اتسعت الدائرة، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يُصنع الاعتراف بالكاتب من قيمة ما يكتب، أم من شبكة العلاقات التي تحيط بما يكتب؟
لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية العلاقات في الحياة الثقافية. فالكاتب يحتاج إلى ناشر، وإلى قارئ، وإلى منبر، وإلى مؤسسة تفتح له باب المشاركة والحضور. والعلاقات، في معناها النبيل، يمكن أن تكون جسورًا بين المبدع والجمهور. لكنها تصبح إشكالية حين تتحول من وسيلة للتواصل إلى أداة لصناعة المكانة، ومن باب للتعريف بالموهبة إلى بديل عنها.
وهنا يظهر الفرق بين الكاتب الذي يصنع أثره بالكتابة، والكاتب الذي تصنع له المنظومة أثرًا.
فليست كل جائزة دليلًا على العظمة، كما أن غياب الجائزة ليس دليلًا على غياب الموهبة. وليست كل وسام ثقافي شهادة نهائية على القيمة، كما أن الكاتب الذي لم يعتلِ منصة التكريم قد يكون أكثر تأثيرًا وعمقًا من أسماء ملأت واجهات الاحتفاء.
المشكلة لا تكمن في الجائزة أو الوسام أو الرتبة في حد ذاتها، وإنما في تحويلها إلى مقياس وحيد للحقيقة الثقافية.
عندما يصبح عدد الكتب، وعدد الجوائز، وعدد التكريمات، وعدد الصور في المناسبات، معيارًا لتحديد من هو "المثقف الكبير"، فإننا نكون أمام ثقافة معرضة لأن تخلط بين الإنجاز الثقافي وصناعة الصورة الثقافية.
والأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة قد تتلقى هذه الصورة بوصفها مسلّمة لا تحتاج إلى سؤال. فيكبر جيل وهو يعتقد أن الطريق إلى الاعتراف يبدأ من العلاقات قبل النص، ومن الحضور قبل المشروع، ومن التكريم قبل التجربة، ومن الشهادة قبل السؤال.
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بشخص أو كاتب أو مؤسسة، بل يصبح سؤالًا عن المناخ الثقافي كله.
هل نحن أمام ثقافة تكافئ الموهبة، أم ثقافة تكافئ القدرة على الوصول؟
هل تقرأ المؤسسات النصوص بقدر ما تقرأ الأسماء؟
هل تمنح الجوائز لمن يستحقها، أم أن بعض الأسماء تصبح مع الوقت أكثر قابلية للفوز لأنها أصبحت جزءًا من دائرة الاعتراف نفسها؟
وهل يمكن للناقد أن يبقى مستقلًا عندما تتداخل علاقاته الشخصية والمهنية مع موضوع نقده؟
ثم، وهو السؤال الأهم: من يكتب التاريخ الثقافي لجيلنا؟
إذا كان التاريخ سيُكتب لاحقًا اعتمادًا على قوائم الجوائز والأوسمة وصور التكريم، فقد نكتشف أن الصورة التي حفظناها عن جيلنا الثقافي ليست بالضرورة صورة ما كان الأكثر إبداعًا، وإنما صورة من كان الأكثر حضورًا في فضاءات الاعتراف.
إن الثقافة الحقيقية أوسع من منصّة، وأبقى من وسام، وأعمق من رتبة. الكتاب الذي يعيش بعد صاحبه لا يحتاج إلى كثرة الشهادات كي يثبت وجوده. والنص الجيد يمتلك، في النهاية، قدرة على مقاومة الزمن لا تمنحها له أية لجنة.
ولذلك، ربما نحتاج إلى إعادة ترتيب الأسئلة.
لا ينبغي أن نسأل فقط: كم كتابًا كتب هذا المثقف؟ وكم جائزة حصل عليها؟ وكم وسامًا نال؟
بل علينا أن نسأل أيضًا:
ماذا أضاف؟
ماذا غيّر؟
ماذا ترك للقارئ؟
هل فتح سؤالًا جديدًا؟
هل دفع جيلًا إلى التفكير؟
وهل سيظل نصه قادرًا على الكلام بعد أن تخفت أضواء التكريم؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لثقافة ما ليس أن تمنح الأوسمة لمن لا يستحقها فحسب، وإنما أن تقنع جيلًا كاملًا بأن الوسام هو الدليل على الاستحقاق.
وفي المقابل، فإن إنصاف الموهبة لا يعني إلغاء العلاقات، ولا محاربة الجوائز، ولا التشكيك في كل تكريم. بل يعني أن نعيد لكل شيء حجمه الطبيعي: العلاقة جسر، والجائزة تقدير، والوسام تكريم، أما القيمة الثقافية فشيء آخر تصنعه الكتابة والزمن والقارئ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق