مقطع، رحيل .. نص الكاتبة سلسبيل غزواني

 

مقطع، رحيل .. نص الكاتبة سلسبيل غزواني

ها قد رحلت أخيرًا، رحلت بكل صمت الدنيا. تُراك لم تحمل شيئًا من آثارك؟ تركت لي عطرك العالق على كفّ صافحك ذات مرة، تركت رجفة قلب رآك فجنّ جنونه، تركت حكاياتك، قصصك، تفاصيل حياتك، أوراقك المبعثرة على رصيف عمري، تركت همّك، حزنك القدم، لحظةً صادقة عشتها وأنا أستمع إليك بإنصات، بخشوع العاكفين. تركت رحلتك التي لا تنتهي، أثقالك، أوزارك، وتركت على عاتقي ضريبة النسيان. دفعتها بلا تردد، دفعتها من صميم الروح، من أَرَقي، ومن تدفق الدماء في صدري، من خوفي وقلقي، من وجعي القديم الذي أعدت بعث الروح في تفاصيله البائسة.

تركت كل شيء، ولم تحمل معك إلا شيئًا واحدًا؛ سرقت مني معناي، سرقت شغف العمر، وحلمي، سرقت رغبتي في الكتابة، سرقت حروفي وطمعي أن أكتب نصًا لا أثر لك فيه، لا يحنّ إليك،
حرفًا يشفى من آثارك التي أطفأت الألوان. وغدا العمر بعدك أسودًا وأبيضًا، كأفلام قديمة. سرقت المعنى، ورحلت بكل صمت وبرود. رحلت أنيقًا، لا تثريب عليك، لا تثريب إلا على قلب طغى في جعلك سيدًا، فاستبحت كرامته، وجعلته لذكراك عبدًا؛ يذكرك الدهر، فلا يتمنى أنه لم يلقاك يومًا، ولكنه يتمنى أنه لم يُخلق يومًا من أجل لحظة الفراق تلك.
ها قد رحلت بلا أسباب، بعد أن جئت بكل أسباب الدنيا، تبهج قلبًا تمناك حلمًا، فكنت أسوأ التوقعات. ها قد رحلت، لم تعد بعدك الشهور مواعيد، بعدما رحلت، لم تعد بيننا ذكريات، لا أعياد، وما بقي إلا أن نقيم للنسيان مراسم تذكّرنا أننا صفحات في كتاب العمر؛ كلما تجاوزنا سطرًا، صرنا طيّ الزمان.
ها قد رحلت مني وعني، حتى لا أخبرك مرة أخرى كم هدّني الشوق إليك، حتى لا تسكر آيات الكرامة في قلبي، حتى لا ترى دموع الشوق تذرفها المآقي، حتى لا أشكو بثّي وحزني، حتى لا أذكرك، حتى لا أنساك، حتى تبدأ بعدك الحياة.
ها قد رحلت أخيرًا، ولم يبقَ لك عندي إلا صدق ما كان من شعور، وتصديق ما كان من مشاعر. وأما الحضور، فكان عندي مبجّلًا، وأما الغياب، فكان لقلبي مَغرَمًا.

التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق