.webp)
حين تتحول الرواية من مشروع إبداعي ومعرفي إلى مجرد سلعة تُشترى وتُباع.. يصبح الحديث عن أزمة الرواية الجزائرية ضرورة ثقافية لا ترفًا فكريًا. فما نشهده اليوم من انفجار في عدد الإصدارات الروائية لا يعكس بالضرورة ازدهارًا أدبيًا... بل قد يكون في كثير من الأحيان مؤشرًا على تراجع معايير الجودة واختلال ميزان القيمة...
لقد أصبح لقب "روائي" يُنال بسهولة مدهشة.. يكفي أن يمتلك المرء القدرة على دفع تكاليف النشر حتى يجد اسمه على غلاف رواية بغض النظر عن مستواها الفني أو اللغوي أو الفكري... وهنا تتجلى واحدة من أخطر الظواهر التي أصابت المشهد الثقافي الجزائري وهي انتشار النشر التجاري الذي لا يرى في النص الأدبي سوى مصدر للربح.. ولا يقيم وزنًا لقيمة العمل أو أصالته أو مساهمته في تطوير الأدب الجزائري...
إن دور النشر التي تتخلى عن دورها الثقافي والنقدي لصالح الحسابات التجارية لا تسيء إلى الأدب فحسب.. بل تسيء إلى القارئ أيضًا... فهي تمنحه نصوصًا هشة وتكرّس الوهم بأن الرواية مجرد صفحات تُملأ بالحكايات.. بينما هي في حقيقتها بناء فني معقد يقوم على رؤية للعالم.. وهندسة للسرد...ووعي باللغة.. وإحاطة بالإنسان والتاريخ والمجتمع.....
والمشكلة لا تقف عند حدود النشر التجاري بل تمتد إلى كثير من الكُتّاب الذين اقتحموا عالم الرواية دون زاد معرفي أو تكوين أدبي حقيقي... فالرواية ليست خواطر مطولة... ولا مذكرات شخصية.. ولا يوميات منثورة... بل هي فن يحتاج إلى ثقافة موسوعية....وإلمام بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ...... فضلًا عن معرفة عميقة بمدارس الأدب العالمية وتيارات النقد الحديثة...
إن الكاتب الذي لا يقرأ إلا نفسه ولا يعرف من الرواية سوى ما يكتبه محكوم عليه بإنتاج نصوص تدور في فراغ... ولذلك نجد كثيرًا من الروايات الجديدة تعاني فقرًا لغويًا واضحًا.. وركاكة في الأسلوب.. وضعفًا في بناء الشخصيات... وهشاشة في الحبكة.. وغيابًا للرؤية الفكرية... حتى تبدو نصوصًا صماء.. جافة.. بلا روح.. وبلا متعة سردية حقيقية...
لقد غاب عن كثير من هذه الأعمال مفهوم تداخل الأجناس الأدبية الذي يمنح الرواية ثراءها.. وغابت عنها الأبعاد الفلسفية التي تجعلها تطرح أسئلة الوجود..والأبعاد النفسية التي تغوص في أعماق الإنسان.. والأبعاد السوسيولوجية التي تفسر حركة المجتمع...والأبعاد الأنثروبولوجية التي تكشف بنية الثقافة والهوية.... فتحولت الرواية عند البعض إلى مجرد حكاية مسطحة يمكن اختصارها في صفحات قليلة دون أن يخسر القارئ شيئًا...
ولعل الأخطر من ذلك أن بعض الجوائز المحلية وبعض التغطيات الإعلامية أسهمت - بقصد أو بغير قصد - في تضخيم أسماء لا تستند إلى منجز أدبي راسخ.. مما خلق حالة من التشويش في الذائقة العامة.. وأصبح القارئ العادي عاجزًا عن التمييز بين الرواية الحقيقية والمنتج الورقي الذي يحمل اسم رواية....غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الساحة الجزائرية لا تخلو من أصوات روائية جادة استطاعت أن تثبت أن الرواية فعل معرفي قبل أن تكون فعل كتابة.. وأنها مشروع حضاري قبل أن تكون وسيلة للشهرة... ومن بين هذه التجارب التي يشار إليها بالتقدير - حسب ما قرأته - تجربة الأستاذ عبد العزيز غرمول بما تتسم به من وعي باللغة وعمق في البناء السردي.. وتجربة البروفيسور اليامين بن تومي التي تنطلق من خلفية أكاديمية وثقافية واضحة فتمنح النص بعدًا فكريًا وجماليًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة الإنسان والمجتمع..
إن الدفاع عن الرواية الجزائرية لا يكون بالمجاملة ولا بالتصفيق لكل ما يُنشر.. وإنما بإحياء النقد الأدبي الجاد.. وإعادة الاعتبار للقراءة الصارمة.. وتشجيع دور النشر التي تضع الجودة فوق الربح وتكوين أجيال من الروائيين يؤمنون بأن الكتابة مسؤولية معرفية وأخلاقية لا وسيلة للحصول على لقب أو صورة في معرض كتاب...
فالرواية ليست مهنة من لا مهنة له.. وليست ملاذًا لكل من أتقن استخدام لوحة المفاتيح.. وإنما هي قمة الفنون السردية.. لا يبلغها إلا من امتلك الموهبة... وصقلها بالقراءة.. وأغناها بالمعرفة... وصبر طويل على التعلم والتجريب....
إن الرواية الجزائرية ليست في خطر بسبب قلة الكتّاب... بل بسبب كثرة المتسرعين.. وليست مهددة بندرة الإصدارات.. بل بفيض النصوص التي تفتقر إلى شروط الأدب....وحين يصبح الكم معيارًا ويُقصى الكيف.. فإننا لا نبني نهضة روائية بل نؤسس لفوضى أدبية سيدفع ثمنها القارئ ثم الثقافة الوطنية بأكملها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق