من النص إلى الخطاب: كيف نقول ما لا نقول - محمد محمد يونس علي.

 

من النص إلى الخطاب: كيف نقول ما لا نقول  - محمد محمد يونس علي.


يسعى هذا العمل إلى تقديم إطار نظري متكامل لفهم إنتاج المعنى وتداوله في التخاطب البشري، مع إبراز العلاقة الوثيقة بين المصرّح به والضمني. ويفترض أن النصّ لا يُمكن فهمه بوصفه كيانًا معزولًا، بل ضمن سياق أوسع يشمل قواعد اللغة، والمنطق، ومبادئ التخاطب، والسياق الداخلي والخارجي؛ إذ تتفاعل هذه العناصر لبلوغ مراد المتكلّم، الذي غالبًا ما يتجاوز حدود ما يُقال صراحة.

وقد تناولت في هذا العمل تصوّري للفرق بين النّص والخطاب على نحو غير معهود في الدراسات السابقة، تسخيرا لهذا التفريق في فهم العلاقة بين منطوق المتكلم وحده من جهة، ومنطوقه مع ما نصبه من قرائن وما اعتمد عليه من مبادئ التخاطب من جهة أخرى، وقد آل ذلك إلى الإجابة عن السؤال ما الذي نحتاج إليه لكي نحوّل النّص إلى خطاب. وقد اتضّح لنا من خلال ذلك أن القضية التي تعبّر عنها قولة المتكلم ما هي إلا جزء بسيط من القضايا التي بها نفسّر خطابه؛ إذا لا بدّ للمخاطب أن يفعّل ما هو مناسب للمقام من القضايا الصامتة الحافّة بالنّص سواء تلك الموجودة في أذهان المخاطبين أو في المقام التخاطبي، لكي يمكننا تقصيد كلامه على المحمل المناسب. وبذلك نكون قد ضممنا ما نصّ عليه المتكلم إلى ما نَصب من قرائن ومبادئ تخاطبية لكي نَبلغ مراده التخاطبي، أيّ أنّ الخطاب يعتمد على الجمع بين النّصّ والنّصب.
كما حاولنا أن نجيب في هذا العمل عن السؤال عما يترتب على تحوّل النّصّ إلى خطاب، وقد استقرأنا نحو ثمانية أنواع من المستلزمات تندرج في الخطاب دون النّصّ هي دلالة المقتضى، ودلالة الافتراض، ودلالة الإيحاء، والدلالة بالتأليف، والدلالة بالاستبدال، والدلالة بالتلويح، والدلالة بالقياس، والدلالة بالاستدلال؛ لنكون بذلك أجبنا عن سؤال العنوان وهو كيف نقول ما لا نقول.
يقترح العمل إذن تمييزًا واضحًا بين النص، المقتصر على ما يُقال صراحة، والخطاب، الذي يشمل النصّ وما يضاف إليه من معانٍ ضمنية تُستنتج من السياق. ويختلف هذا التمييز عن تقسيم سبربر وويلسون بين المعنى الصريح والمستلزم، إذ يعطي أهميّة أكبر للخطاب؛ لاشتماله على العناصر الضرورية غير المصرّح بها في عملية التخاطب؛ تلك التي أدرجا جزءا مهما منها فيما يسميانه بالصّريح.
وقد شدّدنا في هذا العمل على فكرة "نصب القرائن" باعتبارها جزءًا ضروريّا مكمّلا للنّص الصريح-، لكونه يندرج اندراجا حتميًا في مدخلات تأويل المتلقي، وإن كان النّص المصرّح به -خلافا لما يفهم من مجموع الخطاب- يمنح المتكلم فرصة للتنصل أو الاستدراك عند الحاجة.
وقد رأينا -مصداقًا لما ذُكر- أنّ المقاربة الخطابية (وهي المقاربة السائدة في التراث واللسانيات) لا تكتفي بالتعامل مع النصوص الصريحة فقط، بل تشمل معاني ضمنية لا تُدرك إلا من خلال مبادئ التخاطب والسياق. لذلك شدّدنا على أنّ الخطاب أوسع من النصّ، إذ يستبطن دلالات تتجاوز المعنى الظاهر وتفتح المجال لتفسيرات أعمق، في حين تتمحور المقاربة النصيّة في الدراسات القانونية المعاصرة وفي غيرها حول الالتزام بظاهر النصوص، رافضةً أي تأويلات أو اجتهادات قد تؤدي إلى ما يعدّونه تحريفًا لكلام المتكلّم. وتلتقي هذه المنهجية مع مذهب الظاهرية الإسلامي، الذي يقتصر على النصّ وحده مصدرًا لبلوغ قصد المتكلّم، رافضًا أي وسائل خارجية لتفسير المعاني.
وبناء على ذلك، بينما تقتصر القراءة النصّيّة على تحليل النصّ وفق قواعد اللغة ومعجمها، دون الالتفات إلى السياقات الخارجيّة. تستلزم القراءة الخطابيّة إدماج السياق العام وقرائنه التفصيليّة، ومبادئ التخاطب لفهم المعاني الضمنيّة، لتصبح أكثر شمولًا
وارتباطًا بمراد المتكلم في التخاطب الفعليّ.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق