حياةٌ ثانية للندوب .. العالم حقل أخطاء - نص الكاتبة زينب الزبيدي

 

حياةٌ ثانية للندوب .. العالم حقل أخطاء  - نص الكاتبة زينب الزبيدي

في البدايات، نظنّ أنّ الندوب هي الأثر الذي يتركه الألم وراءه.

علامةٌ صامتة على شيءٍ انكسر، وشاهدٌ صغير على معركةٍ لم نخرج منها كما دخلناها.
لكنّ العمر يعلّمنا أن للندوب حياةً أخرى. حياةً لا تبدأ مع الجرح بل بعده.
فبعض الجراح تنتهي حين تلتئم.
أما الندوب فتبدأ عملها الحقيقي بعد الالتئام. إنها لا تؤلم بالطريقة القديمة. لكنّها تتذكّر. وتجعلنا نتذكّر.
لا لتعيدنا إلى الوجع دائما، بل لتمنعنا من نسيان ما تعلّمناه داخله.
في سنواتنا الأولى، نحاول إخفاء ندوبنا.
العاطفية منها قبل الجسدية. نخجل منها. ونراها دليلاً على ضعفٍ ما. أو على خسارةٍ لم نحسن تجنّبها.
نقارن أنفسنا بمن تبدو حياتهم أكثر اكتمالا وأقلّ تصدّعاً
ولا نعرف أنّ لكلّ إنسان ندوبه الخاصة.
حتى أولئك الذين يبدون أكثر سلاماً فالهدوء الذي نراه في بعض الأرواح ليس غياب المعارك.
بل نتيجة عبورها. ولعلّ هذا هو أجمل ما تفعله الندوب.
إنها تحوّل التجربة إلى معرفة. لا تمنحنا السعادة بالضرورة.
لكنّها تمنحنا البصيرة.
بعد الخذلان، لا نعود نقرأ الوعود بالطريقة نفسها.
وبعد الفقد، لا يعود حضور الناس أمراً بديهياً.
وبعد الانكسار، نصبح أكثر انتباهاً لما يستحقّ أن يُحفظ.
وما يستحقّ أن يُترك.
هكذا تعمل الندوب. إنها تغيّر زاوية النظر. لا العالم.
هناك جراحٌ لا تجعلنا أقسى. بل أكثر رحمة.
لأنّ من عرف هشاشته جيّداً يصعب عليه أن يستهين بهشاشة الآخرين.
ومن حمل الحزن طويلاً يتعلّم كيف يفسح مكاناً لحزن غيره.
ومن عرف معنى السقوط، يكفّ عن السخرية من المتعثرين.
لهذا ليست كلّ الندوب خسارة.
بعضها تربية، وبعضها نضج، وبعضها أبوابٌ سرّية دخلنا منها إلى أنفسنا للمرة الأولى.
لكنّ المشكلة تبدأ حين نحاول العيش داخل تلك الندبة.
حين نمنحها أكثر مما تستحق. حين تتحوّل من ذكرى إلى هوية. ومن أثرٍ إلى سجن.
فالندبة خُلقت لتُذكّرنا بالطريق، لا لتصبح الطريق نفسه
ولهذا يحتاج الشفاء منا إلى خطوةٍ إضافية.
أن نحترم ما حدث دون أن نسمح له بأن يحتلّ كلّ المساحة.
أن نعترف بالألم دون أن نمنحه حقّ تعريفنا.
أن نحمل الدرس ونترك العبء. وهذه من أصعب المهارات التي يتعلّمها الإنسان.
لأنّ بعض الأوجاع تمنحنا شعوراً خفيّاً بالألفة.
حتى يصبح التخلّي عنها أشبه بالتخلّي عن جزءٍ من الذات.
لكنّ النضج يبدأ حين نفهم أنّنا لسنا مطالبين بحمل كلّ ما نجونا منه.
يكفينا أن نتذكّره.
يكفينا أن نشكره على ما علّم. ثم نتابع السير.
فالندوب الجميلة ليست تلك التي تختفي.
بل تلك التي تتوقّف عن النزف. وتتحوّل، مع الزمن، إلى خرائط صغيرة تدلّنا على الطرق التي عبرناها، وتذكّرنا،
كلّما شككنا في أنفسنا، أننا نجونا مرة من قبل. وأننا قادرون على النجاة مرّةً أخرى.

التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق