المرآة لا تكذب نص: مريم جابري



المرآة لا تكذب   نص: مريم جابري


العالم مرآة: المرآة لا تكذب.. لكنها تنتظر منك أن تبتسم أولا

   تقول الأسطورة إننا لا ننظر إلى الأشخاص والأحداث من حولنا عبر نوافذ شفافة كما نظن بل عبر مرايا عاكسة؛ ففي كل مرة نصدر فيها حكماً قاسياً على عابرٍ، أو نبهر بجمال موقفٍ مفاجئ نحن في الحقيقة لا نكتشف الآخرين بقدر ما نكتشف أجزاءً منسيّة أو مكبوتة من ذواتنا. لقد اعتدنا، بدافع الهروب، أن نلوم المرآة إذا لم يعجبنا انعكاس وجوهنا فيها، فنهشم الزجاج أو نشتم الضوء، متناسين أن الواقع في جوهره ليس إلا مساحة صامتة وحيادية، تأخذ شكل ونوع الروح التي تطل عليها. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل العالم من حولنا مظلم حقاً، أم أن غبار أحزاننا القديمة وخيباتنا المتراكمة هو الذي غطى عدسة رؤيتنا للوجود؟ ربما هذا التساؤل يقودنا مباشرة إلى ما يُعرف في علم النفس إسقاط تلك الحيلة الدفاعية التي فكك رموزها فرويد وأفاض كارل يونغ في شرح أبعادها حيث يميل العقل البشري،د هرباً من ألم مواجهة نواقصه إلى إسقاطها على الآخرين وتجسيدها في أفعالهم فذلك الشخص الذي يستفزنا غروره لمجرد أنه يمتلك ثقة عالية ربما لا يمثل في الحقيقة سوى مرآة تعكس عجزنا الدفين عن تصالحنا مع ذواتناومن يرى في صمت الغرباء تكبرا قد تكون مرآته تعكس خجلاً قديماً يمنعه من المبادرة. نحن، دون أن نشعر نستخدم ونجعل الآخرين كشاشات عرض لعيوبنا المكبوتة فمن الأسهل على النفس دائماً أن تنتقد لاعوجاج في مرآة الآخر بدلاً من أن تعترف بوجوده في قوامها الأصلي ​ولكي لا نغرق في التجريد يكفي أن نتأمل كيف يختلف مشهد الحياة باختلاف لمرايا التي نحملها في صدورنا تأمل مثلاً ردود أفعال شخصين تجاه تأخير مفاجئ في حركة السير أحدهما يراه مؤامرة كونية لتعطيله فيستشيط غضبا والآخر يراه فرصة سانحة للاستماع لموسيقاه أو تأمل المارة بهدوء الطريق واحد، والزمن واحد، لكن الواقع اختلف جذرياً بينهما لاأن كل واحد منهما كان يرى انعكاس حالته الداخلية لا حقيقة الموقف الخارجي وهذا ما أكده الفيلسوف كانط حين أشار إلى أن الذات هي التي تلون الموضوع، وأننا لا نعرف الأشياء كما هي، بل كما تظهر لنا عبر مصفاة عقولنا ومشاعرنا ​في نهاية المطاف لسنا بحاجة إلى رحلات طويلة في هذا العالم لكي نفهم من نحن بل نحن بحاجة إلى رحلة عميقة وصادقة إلى الداخل مع ذواتنا لنعرف أي عالم نعيش فيه ومن أي زاوية نطل عليه وموقعنا فيه إن الحياة لا تقف في خصومة معنا بل هي تمنحنا بكل أمانة نعكاس لما نضمره في أنفسنا فإذا أردتَ أن تتغير ملامح واقعك وتبدو أكثر إشراقاً لا تبدد طاقتك في محاولة تنظيف الصورة المنعكسة بل ابدأ بمسح غبار الأحقاد عن روحك، وترميم شروخ الثقة في قلبك وصقل بصيرتك بالدهشة والقبول. حينها فقط ستكتشف وتدرك أن العالم لم يتغير في الحقيقة لكنك أنت من صرتَ ترى النور الذي كان ينتظرك خلف الزجاج طوال الوقت فالمرايا يا صديقي لا تكذب لكنها تنتظر منك دائماً أن تبتسم أنت أولاً.

التالي
هذه أحدث تدوينة

هناك 10 تعليقات

  1. محتوي جميل ❤️❤️❤️

    ردحذف
  2. تحليل مبهر ودقيق يعكس ابداع شبابنا اليوم ❤️

    ردحذف
  3. Mariouma bravo 👍🏼

    ردحذف
  4. كلام جميل

    ردحذف
  5. دائما متالقة مريومتي وفقك الله

    ردحذف
  6. ما شاء االه على شبابنا و شكرا

    ردحذف


EmoticonEmoticon