التجريب في الرواية - خديجة التومي


التجريب في الرواية  -  خديجة التومي


لم يعد التجريب في الرواية ترفًا جماليًا أو نزوعًا فرديًا معزولًا، بل أصبح ضرورة فنية فرضتها تحوّلات الواقع وأسئلة الكتابة الجديدة. فكما يشير ميلان كونديرا، «الرواية فنّ اكتشاف، وكل رواية لا تكتشف جزءًا مجهولًا من الوجود هي رواية زائدة عن الحاجة». بهذا المعنى، لم تعد الرواية تسأل: ماذا نحكي؟ بل بات سؤالها الجوهري: كيف نحكي العالم؟
لقد فكّك التجريب البنية التقليدية للرواية عبر كسر التسلسل الزمني، وتعدّد الأصوات، وتداخل وجهات النظر، ودمج الوثيقة بالتخييل، واستثمار السيرة الذاتية والتاريخ واليومي والأسطوري. وهو ما يجعل الرواية، بتعبير ميخائيل باختين، فضاءً حواريًا تتجاور فيه الأصوات والخطابات دون مركزٍ واحد أو حقيقة نهائية.
التجريب ليس لعبًا شكليًا، بل موقفًا فكريًا وجماليًا من العالم. فهو يطرح أسئلة الهوية، والتحوّلات الاجتماعية، والانكسارات السياسية، ويعيد مساءلة التاريخ من خارج سردياته الرسمية. وكما يرى عبد الله العروي، فإن الرواية الحديثة «شكل من أشكال الوعي بالتاريخ حين يعجز الخطاب التاريخي نفسه عن قول الحقيقة كاملة».
في هذا الأفق، تتحوّل الرواية إلى مساحة مفتوحة تستوعب الشعر، وتتحاور مع الفنون الأخرى كالرسم والمسرح والسينما، وتنهل من الذاكرة الشعبية بوصفها خزانًا رمزيًا وثقافيًا. وهو ما يجعلها، وفق إدوار الخراط، «مشروع كتابة مفتوحة على التجاوز والاختلاف، لا تعترف بالحدود الصارمة بين الأجناس».
ولأن التجريب يزعزع اليقين، فإن القارئ لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في إنتاج المعنى، مدعوًا إلى الانتباه، وإعادة القراءة، والدخول في مغامرة التأويل. فلا أجوبة جاهزة، بل أسئلة مفتوحة، واحتمالات متعددة، ونصّ يقاوم الاستهلاك السريع.
بهذا المعنى، تصبح الرواية مختبرًا فنيًا للغة والبنية والصوت، وتُعاد فيها صياغة العلاقة بين الكاتب والقارئ على أساس المغامرة النقدية، لا الطمأنينة السردية، وعلى وعي بأن الكتابة الروائية، كما يقول رولان بارت، «ليست رسالةً تُسلَّم، بل سؤالًا يُفتح».
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق