لم يعد السكري من النوع الثاني يُنظر إليه بوصفه مرضًا يرتبط بالعمر فقط، أو مشكلة تظهر فجأة دون مقدمات. الأدلة العلمية الحديثة تشير إلى أن نمط الحياة، وفي مقدمته جودة الطعام، يلعب دورًا حاسمًا في زيادة خطر الإصابة بهذا المرض الذي أصبح واحدًا من أكبر تحديات الصحة العامة في العالم. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 95% من المصابين بالسكري لديهم السكري من النوع الثاني، وهو النوع الذي كان يُعرف سابقًا بسكري البالغين، لكنه بات يظهر أيضًا بين الأطفال والمراهقين مع ازدياد معدلات السمنة وقلة الحركة.
تشير تقديرات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن نحو 589 مليون بالغ بين 20 و79 عامًا كانوا يعيشون مع السكري في عام 2024، أي ما يقارب شخصًا من كل تسعة بالغين حول العالم، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 853 مليونًا بحلول عام 2050. هذه الأرقام لا تعكس مرضًا فرديًا فحسب، بل أزمة صحية واقتصادية عالمية تمس الأسر والأنظمة الصحية والإنتاجية.
ماذا كشفت الدراسة الجديدة؟
الدراسة المنشورة في مجلة Nature Medicine حللت بيانات من 184 دولة بين عامي 1990 و2018، واستخدمت نموذجًا لتقدير عبء السكري من النوع الثاني المرتبط بعوامل غذائية مختلفة. وخلص الباحثون إلى أن أنماط الغذاء غير المثالية ارتبطت بنحو 14.1 مليون حالة جديدة من السكري من النوع الثاني في عام 2018، أي ما يعادل 70.3% من الحالات الجديدة عالميًا وفق تقديرات النموذج.
الأكثر لفتًا في النتائج أن ثلاثة عوامل غذائية برزت بوصفها الأكثر ارتباطًا بالخطر: انخفاض تناول الحبوب الكاملة، الإفراط في تناول الأرز والقمح المكرر، وزيادة استهلاك اللحوم المصنعة. وقد قُدّر أن نقص الحبوب الكاملة ارتبط بأكبر عبء، يليه الإفراط في الحبوب المكررة، ثم اللحوم المصنعة.
لكن من المهم قراءة هذه النتائج بدقة: الدراسة لا تقول إن الطعام وحده يفسر كل حالة سكري، ولا تعني أن تناول صنف معين مرة أو مرتين يسبب المرض مباشرة. هي دراسة على مستوى السكان، تقيس أثر الأنماط الغذائية المتكررة عبر سنوات، ضمن شبكة واسعة من العوامل مثل الوزن، النشاط البدني، العمر، الوراثة، الدخل، البيئة الغذائية، وتوفر الرعاية الصحية.
كيف يحدث السكري من النوع الثاني؟
في الحالة الطبيعية، يساعد الإنسولين، وهو هرمون يفرزه البنكرياس، على إدخال الغلوكوز من الدم إلى الخلايا لاستخدامه مصدرًا للطاقة. في السكري من النوع الثاني تظهر مشكلتان رئيسيتان: مقاومة الخلايا لتأثير الإنسولين، ثم عجز البنكرياس تدريجيًا عن إنتاج كمية كافية لتعويض هذه المقاومة. عندها يبقى السكر مرتفعًا في الدم، ما قد يؤدي مع الوقت إلى أضرار في القلب، الأوعية الدموية، الكلى، العينين والأعصاب.
غالبًا ما يتطور المرض ببطء؛ فقد يعيش الشخص سنوات مع ارتفاع السكر دون أن يشعر بأعراض واضحة. وعند ظهور الأعراض، قد تشمل العطش الزائد، كثرة التبول، الجوع المتكرر، التعب، تشوش الرؤية، بطء التئام الجروح، الالتهابات المتكررة، والتنميل أو الوخز في اليدين أو القدمين.
لماذا تُعد “الكربوهيدرات السيئة” مشكلة؟
ليست الكربوهيدرات كلها ضارة. الفرق الجوهري يكمن في نوعها وطريقة تصنيعها. الحبوب الكاملة مثل الشوفان، القمح الكامل، البرغل، الشعير، الأرز البني والكينوا تحتفظ بالنخالة والجنين، ولذلك تحتوي على ألياف ومعادن ومركبات نباتية تساعد على إبطاء امتصاص السكر وتحسين الشبع. أما الحبوب المكررة، مثل الخبز الأبيض والأرز الأبيض والمعجنات المصنوعة من الدقيق الأبيض، فتُهضم بسرعة أكبر وقد ترفع سكر الدم والإنسولين بوتيرة أسرع عند تناولها بكميات كبيرة ومتكررة.
الدراسة العالمية وجدت أن انخفاض الحبوب الكاملة والإفراط في الأرز والقمح المكرر كانا من أبرز العوامل الغذائية المرتبطة بعبء السكري. وهذا يفسر لماذا لا تكمن المشكلة فقط في “كمية الطعام”، بل في جودة المصدر الغذائي نفسه.
اللحوم المصنعة: خطر يتجاوز السعرات الحرارية
اللحوم المصنعة مثل النقانق، المرتديلا، السلامي، اللانشون، السجق وبعض أنواع اللحوم المدخنة أو المعالجة ليست مجرد مصدر للبروتين. فهي غالبًا تحتوي على نسب مرتفعة من الملح، الدهون المشبعة، مواد الحفظ، وأحيانًا مركبات ناتجة عن المعالجة أو التدخين. وقد صنفت الدراسة الإفراط في اللحوم المصنعة ضمن العوامل الغذائية الثلاثة الأكثر ارتباطًا بعبء السكري من النوع الثاني عالميًا.
لا يعني ذلك أن الوقاية تعتمد على منع صنف واحد فقط، بل على تقليل تكرار استهلاك هذه المنتجات واستبدالها بمصادر بروتين أفضل مثل البقوليات، الأسماك، الدجاج غير المقلي، البيض، اللبن أو الزبادي غير المحلى، والمكسرات بكميات معتدلة.
لماذا تختلف نسب الخطر بين الدول والفئات؟
أظهرت الدراسة أن العبء المرتبط بالنظام الغذائي كان أعلى نسبيًا في أوروبا الوسطى والشرقية وآسيا الوسطى، وكذلك في أمريكا اللاتينية والكاريبي، بينما كان أقل في جنوب آسيا مقارنة بهذه المناطق. كما بدا العبء أعلى لدى الرجال مقارنة بالنساء، ولدى الشباب مقارنة بكبار السن في بعض التحليلات.
هذه الفروق لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. فالنظام الغذائي يتأثر بالدخل، الثقافة، أسعار الطعام، توفر المنتجات الصحية، الإعلانات، ساعات العمل، أنماط النقل، ومدى انتشار الأطعمة فائقة المعالجة. لذلك فإن الوقاية من السكري ليست مسؤولية الفرد وحده؛ بل تحتاج أيضًا إلى سياسات غذائية تجعل الاختيار الصحي أسهل وأرخص وأكثر توفرًا.
هل يمكن الوقاية من السكري من النوع الثاني؟
نعم، في كثير من الحالات يمكن تأخير السكري من النوع الثاني أو تقليل خطر الإصابة به، خصوصًا عند الأشخاص المصابين بمقدمات السكري أو زيادة الوزن. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن تغييرات نمط الحياة هي أفضل وسيلة للوقاية أو تأخير ظهور المرض، وتشمل الحفاظ على وزن صحي، ممارسة 150 دقيقة على الأقل من النشاط البدني المعتدل أسبوعيًا، اتباع نظام غذائي صحي، وتجنب التدخين.
وتدعم التجارب السريرية هذه الفكرة بقوة. ففي برنامج الوقاية من السكري، أدى التدخل المكثف في نمط الحياة إلى خفض حدوث السكري بنسبة 58% خلال نحو 2.8 سنة لدى بالغين مرتفعي الخطورة، مقارنة بالدواء الوهمي، واستمرت فوائد الوقاية أو التأخير لسنوات لاحقة.
كما يوصي برنامج الوقاية من السكري التابع لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة بخسارة وزن معتدلة، في حدود 5% إلى 7% من وزن الجسم، مع زيادة النشاط البدني ضمن برنامج تغيير نمط الحياة.
كيف نترجم النتائج إلى طبق يومي؟
الوقاية لا تتطلب حمية قاسية، بل تحتاج إلى قرارات صغيرة متكررة. يمكن البدء بهذه الخطوات:
استبدال الحبوب المكررة تدريجيًا: اختر الخبز الأسمر الحقيقي، الشوفان، البرغل، الشعير، الأرز البني أو الحبوب الكاملة بدل الخبز الأبيض والأرز الأبيض والمعجنات اليومية.
زيادة الألياف: اجعل الخضراوات والبقوليات جزءًا أساسيًا من الوجبة. العدس، الفول، الحمص والفاصولياء تساعد على الشبع وتبطئ ارتفاع السكر بعد الطعام.
تقليل اللحوم المصنعة: لا تجعل النقانق واللانشون والمرتديلا جزءًا يوميًا من الإفطار أو العشاء. استبدلها ببيض، لبنة أو زبادي غير محلى، تونة، دجاج منزلي، أو حمص وفول.
الانتباه للمشروبات: المشروبات المحلاة والعصائر الجاهزة قد تضيف كميات كبيرة من السكر دون إحساس حقيقي بالشبع. الماء، القهوة أو الشاي دون سكر، والمشروبات غير المحلاة خيارات أفضل في معظم الحالات.
توزيع النشويات بذكاء: ليس المطلوب إلغاء الخبز أو الأرز بالكامل، بل تقليل الكمية، اختيار النوع الأفضل، وتناوله مع بروتين وخضار ودهون صحية لتخفيف الارتفاع السريع في سكر الدم.
الحركة بعد الأكل: المشي الخفيف بعد الوجبات، ولو لعشر دقائق، يمكن أن يساعد الجسم على استخدام الغلوكوز بصورة أفضل، خصوصًا عند من يعانون مقاومة الإنسولين أو مقدمات السكري.
متى يجب فحص السكر؟
ينبغي عدم انتظار الأعراض. الفحص مهم لمن لديهم عوامل خطر مثل زيادة الوزن، قلة النشاط، وجود تاريخ عائلي للسكري، الإصابة السابقة بسكري الحمل، ارتفاع ضغط الدم، اضطراب الدهون، أو تشخيص الكبد الدهني. وتوضح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن اختبارًا بسيطًا للدم يمكن أن يكشف الإصابة بالسكري، مع ضرورة تأكيد النتائج ومتابعتها لدى الطبيب.
تكشف الدراسة أن السكري من النوع الثاني ليس مجرد مشكلة “سكر” في الدم، بل نتيجة تراكم طويل لعوامل غذائية وبيئية وسلوكية. والرسالة الأهم ليست الخوف من الطعام، بل تحسين جودته: المزيد من الحبوب الكاملة والألياف، تقليل الحبوب المكررة واللحوم المصنعة، حركة منتظمة، ووزن صحي قدر الإمكان.
لا يوجد علاج نهائي مضمون للسكري من النوع الثاني، لكن السيطرة عليه ممكنة، والوقاية أو التأخير ممكنان في كثير من الحالات. كل وجبة ليست قرارًا عابرًا؛ إنها تصويت يومي لصالح صحة القلب، الأوعية، الأعصاب، الكلى، ومستقبل الجسم كله.
.webp)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق