من رسائل الطفولة إلى أصوات الرواية - عبدالله جمعة المشايخي

 

من رسائل الطفولة إلى أصوات الرواية   - عبدالله جمعة المشايخي

حين كتبت آخر سطر في الرواية بقيت أيامًا أشعر بفراغ شديد، كأنني ودّعت أرواحًا عاشت معي لا شخصيات صنعتها بالحبر. هذا ما فعلته بي «سيول... مدينة الاعتراف الخفي».
الكتابة كانت متنفّسي منذ أيام الطفولة، حينما كنت أكتب لأمي رسائل مليئة بالمشاعر لم أستطع أن أقولها وجهًا لوجه. كبرتُ وكبر معي هذا الإيمان بأن الورقة أصدق من اللسان، وأن ملمس الأوراق يحمل بُعدًا روحيًا للمتلقّي ومحتوى أمينًا للمرسل. من ذلك الطفل الذي يكتب لأمه على الورق وُلدت روايتي الأولى.
لم أُرد أن أحكي قصة بطل واحد، لأن البطل الواحد لا يكشف الأبعاد الداخلية لكل فرد. أردت أن يسمع القارئ أصواتًا متعددة، كل صوت يحمل عالمه الخاص ويفسّر سلوكه من الداخل لا من الخارج. أطفال مكسورون وشباب يقاتلون من أجل العدالة، ونساء يحملن فوق طاقتهن، ورجال تتصارع داخلهم القسوة مع بقايا إنسانيتهم. ومن نحن في نهاية المطاف دون سلسلة انكسارات؟

القلب النابض لهذه الرواية هو ما بين عبدالجبار وريهام. عبدالجبار حالة إنسانية نورانية، رجل يُشعّ نورًا على كل من حوله. يكتب الرسائل في جوف الليل ويخجل من النظر في عيني من يحب نهارًا. يواجه الظلم بصدر مكشوف لكنه يرتجف أمام كلمة يريد أن يقولها لمن ملكت قلبه. ريهام أرهقتني عاطفيًا أكثر من أي شخصية أخرى، وقصتها مع عبدالجبار هي الخيط الذي إن أمسكت به لن تستطيع إفلاته حتى الصفحة الأخيرة. ثمّة عبارات وجدت كإشارات روحية يجب أن نمنح أنفسنا فرصة للتوقّف عندها. أمّا سوزان فلم أخطّط لتضمينها من الأساس، لكنها فرضت نفسها على النص وكانت إضافة جميلة. ربّما الشخصيات التي تطرق باب الرواية دون دعوة هي أصدقها. في الرواية رسالة عن أثر العنف على الطفل وما يمكن أن تصنعه نتائجه، لكنها ليست رسالة مباشرة بل مشهديّة، نماذج متقابلة من الأبوّة يراها القارئ بعينيه ويستنتج بنفسه ما تفعله يدٌ ترتفع بالحنان مقابل يدٍ ترتفع بالعنف. تعمّدت أن تتنوّع خلفيات شخصياتي ثقافيًا ودينيًا، ليس لصنع صراع من أي نوع، بل لأعود إلى الأصل: الإنسان. مشاعر الإنسان بلا أدلجة أو مناطقية أو أي سلوك متطرّف. الألم في روايتي لا يسأل عن هوية صاحبه، والرحمة لا تحتاج إلى جواز سفر. وقد يتساءل القارئ: لماذا سيول؟ أرى سيول مدينة حالمة تجسّد البعد الداخلي للإنسان. حينما ذكرتها لم أصف شوارعها وتفاصيلها، بل كيف رأت الشخصيات المدينة في فترة زمنية قصيرة. هي مرحلة لانعكاس دواخل الإنسان، مثلما تعكس مسطّحاتها المائية أضواء المدينة ليلًا ولون سمائها صباحًا. سيول في روايتي هي اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة وتظهر الاعترافات التي طال دفنها.
لمن يمسك هذه الرواية ولم يفتحها بعد أقول: لا تقرأها بعينيك وحدهما، بل بكل صوت داخلك أسكتّه يومًا أو تجاهلته. عِش مع كل شخصية تحدّياتها ومشاعرها، وامنح نفسك فرصة أن تفهم الإنسان من داخله، لا من الصورة التي يراها العابرون.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق