بقلم: عبدالله جمعة المشايخي
على طريق مسقط السريع، قرابة منتصف الليل، نقرتُ على أيقونة الاختيار العشوائي للأغاني. وما إن بدأ اللحن، حتى أرجعتُ مسند الظهر معلناً حلول مرحلة الاسترخاء؛ ها هي البرتغالية "دولسي بونتس" بصوتها العذب تشدو بأغنية "البحر" (O Mar) التي أحبها، فتراقص قلبي بنبضات خافتة، وسبح فكري على شاطئ مشمس ذي رمال بيضاء.
لا أجيد البرتغالية، ولا أتذكر متى تعلقتُ بفن "الفادو"، فكل ما أستحضره هو الشعور الأول الذي انتابني بعد سماعي لمقطوعة من أغنية "العزلة" (Solidão) التي غنتها ملكة الفادو "أماليا رودريغيز" حين كانت شابة يافعة. هذا الفن يمتلك أنامل هلامية تدلك ما بين خلجات الدماغ، ولديه كفٌّ ذات ملمس قطني تسند القلب من ثقل الهموم؛ تتسم ألحانه ببطء الإيقاع الذي يكبح تسارع الحياة وضوضاءها. إن توقف الحياة حياة، وتسارعها موتٌ غير رحيم؛ فالبلادة وقسوة القلب هما نتاج السرعة المفرطة في زمن سُمي "عصر السرعة". قد تحتج وتقول لي: "ما تقوله غير منطقي؛ لأن الاقتران غير موفق!"
عزيزي، لا تتسرع في الحكم، وإليك استنباطي: كم عدد ساعات دردشتك مع عائلتك؟ ومتى تفرغ لك صديقك المفضل؟ وهل تخصص وقتاً كافياً للترفيه؟
إن كانت إجاباتك سلبية، فأنت تعيش "متلازمة حب السرعة" في زمن الرأسمالية؛ فعدم وجود وقت لهذه الأساسيات يكمن في انغماسك التام في العمل المفرط، واللهث خلف مكملات الاستقرار التي تستنزف وقتك وجهدك وصحتك النفسية. وهذا هو التفسير المنطقي الذي أعطى دماغك صلاحية "تفكير" (أو استنكار) مَن يكبح تسارع الوقت ليعيش لحظة فردوسية ممتعة بين نفسه وأحبائه. التسارع هو منغصات العمل، وموت الشغف، واليأس، والتجارب الفاشلة، وكل ما هو مؤلم؛ والبحث عن الحلول في هذه المرحلة دائماً ما يكون متسرعاً، ونادراً ما يؤدي لنتيجة إيجابية.
إن "الفادو" جزء ضئيل من السعادة التي نسجتها لنفسي من بين القطع التي اخترتها بعناية. لا أفهم في قواعد الموسيقى ولكني اخترت الاستماع إليها، لا أفقه في الرسم ولكني أمتع عيني بمشاهدة "الأنمي" الياباني، لا أجيد لعب كرة القدم ولكني أستمتع بمشاهدة "الكلاسيكو" مع أصدقائي، ولستُ مخترعاً ولكني أحب تجربة كل جديد في ساحة التقنية. هذا النوع من "الكبح" يشبه هدوء الفادو، وهو تجسيدٌ لمعنى "الحياة من أجل الحياة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق