من الداخل إلى الخارج: سيد نفسك، سيد العالم

 من الداخل إلى الخارج: سيد نفسك، سيد العالم

 الأستاذة الدكتورة: عليليش حمامة

جامعة سكيكدة - الجزائر

الأستاذة الدكتورة: عليليش حمامة


حيث تتشابك الظلال بالنور، والعاطفة بالعقل، تتكشف رحلة الإنسان الحقيقية نحو الحكمة, فالإنسان ليس مجرد كائن يعيش الحياة مرورًا عابرًا، بل هو في رحلة مستمرة نحو فهم ذاته واستكشاف أعماقها المظلمة والمضيئة على حد سواء. كل شعور، كل فكرة، كل تجربة هي مرآة تعكس جوهره، وكل قرار يتخذه يصبح اختبارًا لقدرته على السيطرة على داخله قبل أن يسعى للسيطرة على العالم المحيط به.
الموضوعية ليست مجرد بعد عن العاطفة، بل فن توازن بين الإدراك العقلي والعمق العاطفي، فإدراك الذات بمعناها الكامل يعني النظر إلى الحقيقة كما هي، بعيدًا عن تأثير الرغبات اللحظية والانفعالات العابرة، مع الاعتراف بأن المشاعر جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية ، فالإنسان الواعي يدرك أن الحكمة تنبع من هذا التوازن الدقيق، حيث يصبح القرار مبنيًا على فهم كامل للشعور والفكر معًا، لا على الانفعالات العابرة.
المرونة هي القدرة على الانحناء دون الانكسار، على التكيف مع متغيرات الحياة مع الحفاظ على الجوهر الثابت للنفس. القوة ليست في الجمود والصلابة، بل في القدرة على تحويل القيود إلى فرص، وفهم الدروس الكامنة في كل تحدٍ، وتقدير وجهات نظر الآخرين دون التخلي عن القيم الجوهرية. فالمرونة تمنح الإنسان القدرة على إعادة بناء ذاته باستمرار، على الصمود أمام الصعوبات، وعلى استخراج الحكمة من كل تجربة، مهما كانت مؤلمة أو معقدة.
ضبط الانفعال يمثل الاختبار الأعظم للنضج الشخصي، فالعاطفة تتدفق داخل الإنسان كنهر هادر تحت الجليد، ظاهر هادئ يحمل قوة جبارة لا تُرى، فالقدرة على تحويل هذا الانفعال إلى نور هادٍ يقود القرار والفعل، بدلاً من أن يصبح نارًا مدمرة، هي ما يميز الإنسان الناضج عن غيره، فالسيطرة على النفس تمنح حرية مطلقة، حرية تجعل من كل قرار صائبًا، ومن كل تجربة فرصة للنمو العميق، ومن كل مواجهة مع الآخر فرصة للتعلم والتطور.
رحلة الإنسان نحو الحكمة الحقيقية هي رحلة فلسفية وروحية، تتطلب وعيًا مستمرًا بالنفس، وفهمًا لطبيعة العواطف والأفكار، وتوازنًا بين الداخل والخارج ، فحين يصبح الإنسان سيدًا لنفسه، قادرًا على التحكم بشغفه ومواءمة انفعالاته مع العقل، يولد نور داخلي لا يضاهيه نور، نور يضيء الطريق ويتيح له التأثير في العالم بطريقة راشدة ومؤثرة، وهذا النور الداخلي ليس مجرد قوة شخصية، بل أداة للاتصال العميق بالآخرين، ووسيلة لخلق عالم أكثر حكمة ورحمة وعدلًا.
الحكمة الحقيقية ليست امتلاك القوة، بل امتلاك الوعي الذي يمكّن الإنسان من توجيه حياته بوعي وحكمة، وتحويل التجارب إلى دروس، والصعوبات إلى فرص للتطور الروحي والفكري، كل تجربة تحمل معنى، كل فعل يترك أثرًا، وكل لحظة تُسهم في تشكيل الإنسان الداخلي والخارجي معًا، ليصبح الإنسان قادرًا على خلق عالمه الخاص، متوازنًا بين روحه وعقله وقلبه، مفتوحًا على كل ما هو عميق وجوهري، مؤثرًا بحكمة ورحمة في محيطه.
الرحلة نحو الحكمة لا تنتهي أبدًا، فهي سلسلة متواصلة من الاكتشافات الداخلية التي تُبرز قدرة الإنسان على أن يكون سيد نفسه قبل أن يسعى لأن يكون سيد العالم، فالقوة الحقيقية تنبع من الداخل، والنضج الروحي والفكري هو ما يجعل الإنسان قادرًا على مواجهة تعقيدات الحياة بسلام ووعي، على تحويل الانفعالات إلى نور، وعلى تحويل القيود إلى فرص للنمو المستمر، فحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى، تصبح كل تجربة درسًا، وكل تحدٍ فرصة، وكل قرار انعكاسًا لروح متحررة، وعقل متزن، وقلب متفتح على أعمق ما في الحياة من جمال وحقيقة وروحانية.
التالي
هذه أحدث تدوينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق