الفينومينولوجيا وفن التأويل

 

محمد شوقي الزين
الأستاذ محمد شوقي الزين 


 محمد شوقي الزين

 لا تزال قضايا الفينومينولوجيا (phénoménologie) وفن التأويل (herméneutique) تطرح إشكاليات جديدة ورؤى ومناهج متنوعة نظرا للمسائل التي أثارتها في تاريخها المعرفي والمعياري والتي تحتل اليوم الصدارة في ميدان الأبحاث المنهجية والنفسية والاجتماعية والتاريخية والإنسانية. يتعلق الأمر في هذه المحاولة بإبراز أوجه الالتقاء البنيوي والوظيفي والتفتح المنهجي والانفتاح النقدي وربما التأثير والتأثر الكائنة بين الفينومينولوجيا كما تجلت -في صورتها النسقية والفلسفية- عند "هوسرل" وبين فن التأويل -المنهجي والفلسفي- كما طرح مسائله وقضاياه "هانس-غيورغ غادامير". فإذا حاولت الفينومينولوجيا معالجة مشكل "فهم الوجود:، فإن فن التأويل انصب اهتمامه على إشكالية "وجود الفهم" أو بالأحرى "كينونة الفهم" لا كتصور نفسي وإنما كتصوير فينومينولوجي يراعي خصوصية افنتاح الكائن على ذاته وعلى الوجود.

قبل التطرق إلى موضوع الفهم والأبعاد الأنطولوجية والتاريخية والجمالية التي اتخذها في فلسفة فن التأويل، نتطرق ابتداءا إلى المصدر (والذي لا يمكن اعتباره المنبع الضروري والكافي لفن التأويل على اعتبار أن هذا الأخير يجد مصدره أيضا في الأزمات التي نشأت عن قراءة الكتابات المقدسة وتأويل المقاصد والأفعال في الممارسات القانونية والأحكام القضائية) الذي استقى منه فن التأويل المعاصر مناهجه وآلياته وكذا المضامين المعرفية التي ينطوي عليها (وهي مضامين يتقاطع فيها مع الفلسفات الذاتية والمتعالية مع كنط وفخته وهيغل وديكارت ويتجاوزها). يتمثل هذا المصدر (الذي بدوره استفاد من الإشكاليات التأويلية التي طرحها سبينوزا ودلتاي وشلايرماخر وتجاوزها) في الظواهرية أو الفينومينولوجيا التي عرض أفكارها "برانتانو" (Brentano) وارتقى بها "ادموند هسرل" إلى درجة النسقية والتنظير.

 

1 - الفينومينولوجيا: فلسفة في "المعنى"

الفينومينولوجيا هي علم الظواهر (phénomènes). استعملت أولا في ميدان علم النفس لتدل على الظواهر السيكولوجية (الرغبة، الإدراك، الإحساس،…) ومظاهر الوعي في محتواه النفسي، والقائمة على ملاحظة ووصف الظاهرة "كما هي" معطاة، قصد تحليلها وتحديد خصائصها وفهمها على وجه الخصوص. وتعني الفينومينولوجيا في إطارها الفلسفي والأنطولوجي تحديد بنية الظواهر وشروطها العامة؛ بمعنى مشكل الظهور أو الانبثاق (لأي ظاهرة كانت) الذي يتصل لأول وهلة اتصالا مباشرا بالوعي. فأول التقاء للوعي الذي أثارته وجلبت انتباهه ظاهرة معينة هو صلب المسائل التي تحاول الفينومينولوجيا معالجتها. ويمكن تصوير هذه المسألة بأول وميض يثير انتباه البصر إليه(1). وهذه "الإثارة" (أو الانتباه) لا تبقى في محيط الانفعالات السيكولوجية، بل ترتقي في مضمونها الفلسفي-الأنطولوجي إلى فضاء "الماهيات" (essences) قصد "رصد" ماهية الظاهرة التي تتجلى للوعي (وتتجلى "في" الوعي كما سنفصل ذلك لاحقا): "يهتم علم النفس بـ"الوعي التجريبي"، بالوعي في الموقف التجريبي، باعتباره كائنا هنا ضمن نظام الطبيعة؛ بينما تهتم الفينومينولوجيا بالوعي "الخالص" "(2).

لا تسعى الفينومينولوجيا إلى تفسير العالم من خلال البحث عن شروطه الممكنة كما يصرح بذلك "م.ميرلو-بونتي"، وإنما تهتم بتشكيل التجربة، كأول لقاء -أنطولوجي- بين الوعي والعالم والذي يعتبر لقاءا سابقا على كل تفكير حول هذا العالم.

نميز في الفينومينولوجيا بين ثلاثة أنواع من الاتجاهات:

1 - الفينومينولوجيا النقدية مع كنط (Kant) وهي تلك التي تسعى إلى تبيان الشروط الممكنة للموضوعية تؤطرها بينة الذات (Sujet) والتي تحدد، بالمقابل، حدود المعرفة التي تجد نفسها في مواجهة فكر "المطلق".

2 - فينومينولوجيا المظاهر (apparences) التي يحددها مراتب ظهور الكائن عند هيغل (Hegel) ومساره الأنطولوجي نحو المعرفة المطلقة: "لقد طرحت في "فينومينولوجيا الفكر" تطور الوعي من أول معارضته المباشرة بينه وبين الموضوع حتى المعرفة المطلقة"(4)

3 - فينومينولوجيا التأسيس (Ursprung): عوض البحث عن الشروط الممكنة لكل تفكير أو تعبير أو تدبير وخلافا لتجليات الكائن عبر مراحل أنطولوجية يبتغي من ورائها الفكر المطلق، يطرح هسرل فينومينولوجيا التأسيس التي تبحث عن قاعدة أو دعامة تنبثق من خلالها، أو تتأسس بموجبها، أو ترى الوجود على إثرها كل ظاهرة معينة. فمشكلة الفينومينولوجيا هي مشكلة النشوء أو التكون (genèse) لا بالمعنى البيولوجي لتكون الجنين أو نشوء الكائنات (وإن كانت هذه الظواهر لا تخلو من مساءلات فينومينولوجية)(5)، لكن بالمعنى الذي يجعل من الظاهرة، ظاهرة ذات ماهية وقابلة لتلقي المعنى الذي يضفيه الوعي عليها في أول لقاء له بها. من هنا كان معنى الظاهرة أيضا هو معنى "التشكيل" أو "إضفاء الشكل أو الصورة" (mise en forme) وذلك أن الظاهرة، بالمعنى الأرسطي، هيولى وصورة (hylè/morphè). فالظواهر تتميز عن بعضها البعض بالصور أو الأشكال وإن كانت تشترك أحيانا في المادة. فالمادة الأولى (materia prima) عبارة عن كمونات (potentialités) غير محددة ولكنها تتحدد بالمواد الثانوية التي تفصل بين مختلف خصائص هذه المادة.

هذا الاختلاف بين صور الظواهر هو محل الإشكال الذي طرحته الفينومينولوجيا: كيف يمكننا التمييز بين الظواهر؟ بأية وسيلة يمكننا الحكم على أن الظاهرة (أ) تختلف عن الظاهرة (ب)؟ باختصار يتبلور الإشكال في الفكر الفينومينولوجي كما يلي: ماذا يعني أن نضفي "المعنى" على الظواهر حتى يمكننا الإقرار بالاختلاف الكائن بينها؟ فمشكل الفينومينولوجيا يتجلى في مسألة "معنوية" (Signifier) الظواهر. وهذا المعنى الذي يسنده الوعي إلى الظاهرة في أول لقاء بينهما ليس هو نتاج حدوس أو تخمينات ينسجها هذا الوعي حول الظاهرة المعطاة أمامه، بل إسناد للمعنى يسبقه "إدراك" الظاهرة. والإدراك هو مجموع الدلالات التي يضفيها الوعي على الظاهرة، هو صياغة "الصورة" (forme) لظاهرة معينة بعدما كانت غير محددة المعالم وغير متميزة الأحكام. بهذه الصياغة، تكتسب الظاهرة دلالة معينة أي تتحلى بماهية تخصها. تختص إذن الفينومينولوجيا بصياغة صور الظواهر من خلال إضفاء المعاني والدلالات عليها وإكسابها ماهيات تعبر عن خصوصيتها وتميزها. ومراحل الصياغة والدلالة هي مراتب الالتقاء بين الوعي والأشياء الكائنة خارجه. فالروابط -الأنطولوجية والدلالية والصورية- بين الوعي والشيء كظاهرة هو الذي يحدد موضوع الفكر الفينومينولوجي بامتياز. بتعبير آخر، يتشكل المعنى من التوجه الذي يباشره الوعي تجاه موضوعه وهو ما يسميه هسرل بـ"القصدية" (intentionnalité) وهي نمط العلاقة التي تربط الوعي بمضمون الظاهرة: "نتصور العلاقة القصدية -مدركة في دلالتها الوصفية الخالصة- كخاصية ضمنية لبعض [ التجارب ] المعيشة، كتحديد لماهية "الظواهر" أو "الأفعال النفسية".."(6) فالوعي هو دائما الوعي "بـ" شيء ما (conscience "de"…)(7): "أن نقول إن الوعي هو الوعي بشيء ما هو أنه لا يوجد فكر (noèse) دون موضوع الفكر (noème)، ولا الأنا المفكر (cogito) بدون الموضوع المفكر فيه (cogitatum)"(8)، هو الفكر عندما "يتوجه نحو" موضوعه (وهنا يتجلى المعنى الاشتقاقي للكلمة اللاتينية "intentio" بمعنى "التوجه نحو"): "القصدية هي القدرة التي يمتلكها الوعي في رصد الموضوع أو بالأحرى كينونة الوعي كانفتاح على الموضوع"(9).

فالوعي "بـ" الموضوع هو رصده وإدراكه وتحديده ضمن قوالب دلالية محددة، هو إدراك "ماهية" (eidos) هذا الموضوع وبالتالي فهو رصد "معنى" يحتمله. والإدراك الحدسي نوعان:

1 - إدراك حدسي تجريبي (intuition empirique) ويتمثل في التجربة وهو الوعي بالموضوع الفردي كمعطى أصلي (une donnée originaire) يدرك أساسا في خصوصيته المادية (ipséité corporelle).

2 - إدراك حدسي ماهوي (intuition eidétique)، هو الوعي بشيء ما، الوعي بموضوع ترصده رؤية الإدراك الحدسي.

وعليه، تشكيل الصور وإضفاء المعاني وصياغة الماهيات هي معطيات ينسجها الوعي حول موضوعه. لكن لا تنشأ هنا علاقة حميمية بينهما، بحيث يتلون الوعي بتلون موضوعه، وإنما يستقل الوعي بخصوصيته الثابتة والمطلقة والخالصة عن موضوعه مهما طرأت عوارض وتبدلات وتحولات إزاء هذا الموضوع. وعليه، يعتبر هسرل أن الوعي "نسق وجود مغلق على نفسه"(10)، دوامة تشد إليها كل الأشياء مع أنها تنفر كل الأشياء. فعالم الأشياء هو عالم "معطى" من أجل الوعي، يستثمره هذا الأخير في تجاربه الخاصة، عالم يفقد كل وجود وكل معنى خارج هذا الوعي. فعوض أطروحة الارتباط والتلازم المنطقي (corrélation) بين العالم والوعي مثل تلازم وجهي القطعة النقدية، يركز هسرل على الوعي في كينونته المطلقة والخالصة، باختزال عالم الأشياء وتعليق حكمه (épochè) وهو ما يصطلح عليه اسم "الإرجاع الفينومينولوجي" (réduction phénoménol) الذي يعتبر معطيات التجربة كظواهر ويضع بين قوسين عالم الأشياء بما فيه "الأنا التجريبي" (le moi empirique)، بمعنى تعليق حكم وجود هذا العالم تعليقا مؤقتا يخلو من كل عدمية، وهذا التعليق يؤكد على الحقل اللانهائي للحياة الخالصة التي يتمتع بها الوعي "كأنا متعالي" (Ego transcendantal) وعلى العالم-الظاهرة كموضوعه القصدي. أما "الإرجاع الماهوي" (réduction eidétique) فهو الذي يأخذ بعين الاعتبار الماهيات المجردة عن العوارض والأحداث.

ينكشف إذن الوعي كنشاط خلاق للمعنى من خلال المراحل الوجودية والتجارب المعيشة التي تتوالى عليه أو بالأحرى التي يمارسها في نشاطه الدلالي. لكن هل ينحصر نشاط الوعي في إدراكه لعالم الأشياء فقط على هذه الميزة المتعالية وعلى هذه السلطة المطلقة في إضفاء المعاني وتأسيس الأحكام؟ بتعبير آخر: ما هي طبيعة العلاقة الكائنة ليس فقط بين الوعي والشيء كظاهرة وإنما أيضا بين الوعي و"وعي آخر" يفرض ذاته أمامه؟

في علاقة الوعي "بالآخر" (autrui) يستند هسرل على تجربة "الجسد" (corps) كتجربة أساسية بامتياز في عملية الإدراك هذه. فبوجود "جسدي" الخاص ضمن حقل إدراكي الخاص كجسد عضوي موجود هنا والآن، يمكن إدراك الأجساد الأخرى كأجساد عضوية "موجودة" فعلا، كمعطيات مباشرة لحقل إدراكي الخاص. وجود جسد "الآخر" بمعنى وجود الآخر كـ"جسد" هو الإدراك الذي أباشره وبالتالي الذي أعيه بوجود شيء كـ"جسد" "آخر" أمامي ضمن الحقل الذي يجوبه إدراكي الخاص. فإدراك "جسدي" كحقل لتجاربي المعيشة، ضمن إطار ذاتي خاص يجعلني أدرك "جسد" الآخر بنفس الإدراك الذي أدركت به جسدي الخاص. فهو "تأويل أصلي" interprétation originaire) يجعل إدراك جسد "ي" وإدراك جسد "الآخر" على قدم المساواة. فهذا التشابه العضوي والحركي والسلوكي في إطار زماني-مكاني خاص بين جسد "ي" وجسد "الآخر" هو الذي يجعل الإدراك متطابقا في كلتا الحالتين. لقد رأينا من قبل أن الوعي هو الذي يؤسس "ظاهرية" (phénoménalité) العالم بفعل التوجه (= القصدية) والمعنى المعطى؛ ومن ثم إذا أسست (كوعي) العالم، فهذا العالم هو في الحقيقة "عالم "ي" " الخاص، وكل التأسيسات التي يباشرها الآخرون هي تأسيسات غريبة عن "عالم "ي" "، هي تأسيسات لعالم لم أكن الأصل في إدراكه ووعيه، عالم "الـ"لا" أنا" (un monde du non-moi). غير أنه، رغم الاختلافات التي يمكن الشعور بها في إدراك العالم الذي يتواجد فيه الجسد وخصوصا الاختلاف الزماني والمكاني، فإن إدراك العالم "موضوعية" (par objectivité) أو إدراك العالم "الموضوعي" (Le monde objectif) -بمعنى أن "مواضيع" العالم "تتساوى" أو على الأقل تدرك من زوايا متشابهة- تعطي للإدراك الحدسي للعالم ولمواضيعه قيمته ودلالته. وهذا الإدراك "المشترك" أو بالأحرى "الموضوعي" يسمح ببناء هذه العلاقة غير المرئية ولا المدركة والتي يسميها هسرل "التواصل الذاتي" (l'intersubjectivité) والذي هو شرط أساسي لكل "موضوعية" ممكنة: لا يمكننا الانتقال من الذاتية (subjectivité) إلى الموضوعية (objectivité) إلا بواسطة التواصل الذاتي (intersubjectivité)"(11).

فالتواصل الذاتي يضمن "التفاهم" بين مختلف الذوات حول نفس العالم التي تنتمي إليه. فهو مجموع الإدراكات الحدسية، كل واحد على حدة، التي اتصلت اتصالا مباشرا بمواضيع العالم وأدركت ماهياته وحقائقه. بفكرة التواصل الذاتي يتخلص هسرل من مشكلة "أحادية الذات" أو "الأنا وحدية" (Solipsisme)، التي تعتبر أن الأنا فريد من نوعه ولا يوجد في العالم سوى "الأنا" مثل الذرة الروحية (monade) عند ليبنتز (Leibniz) التي تخلو من نوافذ وبالتالي تقطع حركة الذهاب والإياب بين ما هو كائن في الداخل (في الذرة الروحية) وبين ما هو كائن في الخارج (في العالم الخارجي). ربما الحل الذي يفترضه ليبنتز لمشكلة علاقة النفس بالجسد أو التواصل بين الذرات الروحية يكمن في فكرة "الانسجام الأزلي" (harmonie préétablie). لكن "الانسجام الأزلي" عند ليبنتز لا يقترب دلاليا ولا فلسفيا من فكرة "التواصل الذاتي" عند هسرل، لأن الفكرة الأولى هي تواصل مفارق يجعل الإدراك الذاتي بين الذرات الروحية تضمنه العناية الأزلية بفضل "الموناد" الأكبر، غير أن التواصل الذاتي في الفكر الفينومينولوجي هو إدراك موضوعي لظواهر العالم تقتسمه الذوات بحكم انتمائها المشترك لهذا العالم، تؤطره موضوعية الزمان والمكان اللذين تتواجد فيه.

 

2 - فن التأويل: فلسفة في "الفهم":

فلسفة "المعنى" التي أسسها الفكر الفينومينولوجي تجد صداها واسعا في فلسفة "الفهم" التي بلورتها فلسفة فن التأويل المعاصرة (philosophie herméneutique). وسنعمل في القسم الثاني من هذا البحث على إبراز: أ ـ دلالة فن التأويل كما تجلت في الفكر الغربي؛ ب ـ أسس فن التأويل والتي نختصرها في مفاهيم: التجربة المعيشة، الفهم، الحوار، التراث؛ جـ ـ الآفاق النظرية التي يشترك فيها فن التأويل مع الفكر الفينومينولوجي.

أ ـ فن التأويل: مرفولوجيا وجنيالوجيا.

تجدر الإشارة إلى أننا ترجمنا كلمة "herméneutique" بـ"فن التأويل" تمييزا لها عن "التأويل" بمعنى "interprétation" والعلة في ذلك سنذكرها في معرض تحليلنا الاشتقاقي لكلمة "herméneutique".

"Herméneutique" (بالإغريقية herméneutikè) تتضمن في اشتقاقها اللغوي كلمة "technè" التي تحيل إلى "الفن" بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية. وبما أن "الفن" كآلية لا ينفك عن الغائية (téléologie =finalité) فإن الهدف الذي لأجله تجند هذه الوسائل والآليات هو "الكشف" عن حقيقة شيء ما. وتنطبق جملة هذه الوسائل على النصوص قصد تحليلها وتفسيرها وإبراز القيم التي تختزنها والمعايير والغايات التي تحيل إليها. وعليه، تعني "herméneutique" "فن" تأويل وتفسير وترجمة النصوص": "التأويل هو فن"(12) بمعنى طريقة الاشتغال على النصوص بتبيان بنيتها الداخلية والوصفية ووظيفتها المعيارية والمعرفية؛ والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما المطموسة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية هو ما يجعل فن التأويل يلتمس البدايات الأولى والمصادر الأصلية لكل تأسيس معرفي وبرهاني وجدلي: "والفهم عندما يعمل لا يلغو فقط، أي لا يقول رموزا، وإنما هو يؤول. أي أنه يبحث عما هو أول في الشيء، عما هو الأس والأصل"(13) نفس الدلالة يمنحها "لسان العرب" لابن منظور: "التأويل المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي صار إليه"(14): نجد في اشتقاقات كلمة "تأويل" الآل بمعنى عمد الشيء الذي يستند عليه والآل بمعنى السراب، والقيمة الدلالية والأنطولوجية التي يمكن أن نمنحها إلى (الآل = السراب) هو أن الأصل الذي تؤول إليه الأشياء والذي يبحث عنه التأويل هو تأسيس متعدد الأوجه أو هو حقل تجوبه جملة العلاقات الاختلافية والاستعارية دون إرجاع الأشياء إلى قيم متعالية أو أصل مطلق، بحيث يصبح المعنى المكتشف مجرد دلالات نسبية وعلاقات وإحالات متبادلة. والآلة = الشدة وهو الصرامة في فحص وقراءة النصوص التي تستدعي الآلة = الأداة بمعنى الوسائل والآليات اللغوية والتركيبية والفنية الموظفة في قراءة هذه النصوص.

تاريخيا، ارتبط فن التأويل (الهرمينوطيقا) بإشكالية قراءة الكتابات اللاهوتية والنصوص المقدسة، مما دفع أحد اللوثريين (نسبة إلى رائد الإصلاح "Réforme" مارتن لوثر M.Luther) وهو "ماتياس فلاسيوس (Matthias Flacius) إلى الثورة على سلطة الكنيسة (L'Eglise de Trente) في مسألة مصادرة حرية قراءة النص المقدس ليقترح أولوية التراث في تأويل بعض المقاطع الغامضة من النص وطابع الاستقلالية في فهم محتوياته بمعزل عن كل إكراه أو توجيه قسري. مواجهة سلطة القراءة "الأحادية" للنص سمحت "ولهلم دلتاي" (Wilhelm Dilthey) باعتبارها المبدأ الأساسي لنظرية فن التأويل الحديثة: ينبغي أن نفهم النصوص انطلاقا من النصوص نفسها وليس اعتبارا من المذهب الذي ننتمي إليه (بحيث لا يوجه المذهب النص وإنما يستقل هذا الأخير بحقيقته عن كل توجه يسجنه ضمن إطاره الخاص)، بحيث "إن الفهم يستند في هذا الإطار لا على التفسير اللاهوتي في معالجة النصوص وإنما بالتطبيق المنهجي لقواعد التأويل من لغة ونحو ومنطق وترجمة"(15).

وحسب دلتاي، يعود الفضل إلى فلاسيوس في تأسيس حلقة فن التأويل (le cercle herméneutique) والتي تنتقل من الفهم الكلي والشامل للمعنى الذي يختزنه النص إلى فهم أجزاء هذا النص. وعليه ينشأ تأويل شبه دوري يستند فيه الفهم الكلي للنص على فهم أجزائه وعكسه. فمثلا تأويل الإنجيل (La Bible)، كما يرى دلتاي، ينبغي أن يفهم كل كتاب وكل مقطع انطلاقا من الدلالة العامة لمجموع الكتب، وهذه الدلالة الشاملة تتشكل بالاستناد إلى فهم كل جزء على حدة.

هذه الإزاحة التي مارسها فلا سيوس في قضايا تأويل وفهم النصوص بعيدا عن الإطار الإيديولوجي والسياج الدوغمائي المغلق الذي تنحصر فيه، ليست كافية من منظور دلتاي لأن هناك عوامل أخرى أغفلها فلاسيوس وهي قراءة كل كتاب على ضوء مختلف الظروف (التاريخية والاجتماعية) والسياقات والاستعمالات (اللغوية). يطرح كل من "سبينوزا" (Spinoza) و"كلادينيوس" (Chladénius) مسألة الفهم من وجهة نظر قيمية وأكسيولوجية: فهم النص هو فهم حقيقة هذا النص. لكن لا يخلو هذا الفهم من معايير لغوية وفنية وحتى نفسية تحاول فك العقد المبهمة التي ينطوي عليها النص، مثل مسألة "المعجزات" (Miracles) في النص المقدس. نشاط فن التأويل من منظور سبينوزا وكلادينيوس هو تداول الفهم الأساسي للنص. "ماير" (G.F.Meier) و"شلايرماخر" (Schleiermacher) افتتحا عهدا جديدا من خلال توسيع حركة التأويل من قراءة النص المقدس إلى فحص وتمحيص مختلف النصوص المرتبطة بميادين متعددة (الأدب، الفن، الفلسفة…). خلافا لسبينوزا وكلادينيوس، لا يتعلق مشكل الفهم عند "شلايرماخر" بين فهم عادي وفهم أفضل للنصوص قصد إدراك طبيعة الموضوع. بتعبير آخر، لا يولي شلايرماخر الاهتمام بشرعية الفهم وصلاحيته، وإنما يرتبط الفهم من منظوره بفردانية الفكر لشخص معين الذي يتلفظ بخطاب معين ضمن سياق زماني ومكاني خاص ومعين. وممارسة الفهم عند شلايرماخر على نوعين:

1 - فهم غير صارم يتجنب من خلاله عدم التفاهم (les malentendus).

2 - فهم صارم يقر بحقيقة عدم التفاهم كظاهرة عادية وطبيعية وينصب اهتمامه على البحث عن فهم مشترك.

يعقد فن التأويل بذلك علاقات نقدية ومعرفية مع الميادين الفكرية المتنوعة وخصوصا أن دلتاي يعتبره القاعدة الأساسية للعلوم الإنسانية أو علوم الفكر (Geisteswissenschaften) والمفتاح الهام الذي لا يمكن الاستغناء عنه ليس فقط في فهم النصوص المكتوبة (حكايات، روايات، قصص، رموز، أساطير) وإنما أيضا النصوص المرئية المتمثلة في شبكة العلاقات والممارسات الاجتماعية والتاريخية والتحف الفنية.

الانتقال والإزاحة اللذان مارسهما دلتاي لهما أهمية قصوى، بحيث سمحت باستحداث "نموذج جديد" (nouveau paradigme) غير الواجهة المعرفية والقيمية في التعامل مع النصوص بحيث تتجه حركة التأويل من المكتوب إلى المرئي مرورا بالمقروء كما أنها لا تغفل تلك الذات الناسجة للنصوص، الكائنة خلفها: "يهدف فن التأويل إلى فهم وتفسير أفكار الآخرين عبر علاماتهم. يحصل الفهم عندما تستيقظ التمثلات والإحساسات في نفس القارئ وفقا للنظام والعلاقة الكائنين في نفسية المؤلف"(16).

والنص من هذا المنظور ليس نسقا مغلقا من الرموز والإشارات والدلالات وإنما هو خطاب مثبت ومفتوح لا تنفك عنه حركة القراءة والنقد والتواصل الفكري وتداول المفاهيم ورؤوس أموال معرفية بين القارئ والكاتب. هذا النشاط الفكري والنقدي الدؤوب والحوار الدائم بين القارئ والمقروء، دفع فلاسفة فن التأويل إلى دراسة ظاهرة فهم المعنى الذي يحتويه النص ومعرفة ما إذا كان هذا المعنى يعبر "فعلا" عن مقاصد وأهداف المؤلف (ومن ثم اي فعل أو حركة يمكن معالجتهما بنفس المنحى من خلال رصد مقاصد الفاعل وإدراك المعنى الذي تنطوي عليه أفعاله). فالاتجاه الوضعي يرى أن فهم المعنى ينحصر فقط في إعادة تركيب ذهني لجملة المقاصد والأهداف. لكن هذا الرأي يؤسس فقط الفرضيات التي تفسر الأسباب التي من خلالها يسلك الفعل هذا السلوك أو ذاك دون أن يرتقي إلى درجة المنطقية والعلم. وهذه الدرجة تتجلى في الحالة التي تتأسس فيه الفرضيات التفسرية ضمن نظريات عامة للسلوك البشري ومن ثم التحقق من هذه الفرضيات عبر مناهج الملاحظات التجريبية. لكن يلح مفكرو فن التأويل على أسبقية "فهم" طبيعة فعل ما أو اعتقاد معين كنشاط علمي على "تفسير" انبثاق أو ظهور هذه المقاصد والاعتقادات. ويبقى الإشكال في علاقة التفسير بالفهم وخصوصا أن دلتاي أرجع التفسير إلى ميدان علوم الطبيعة والفهم إلى علوم الفكر: "إننا نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية"(17).

ب ـ أسس فن التأويل: بين "الحقيقة" و"المنهج".

لقد تبين إذن الحقل المعرفي الذي يشتغل عليه فن التأويل في فحص النصوص داخليا وربطها بسياقها العام خارجيا وأنه يطمح -أي فن التأويل- إلى درجة العالمية (L'universalité) بحكم أنه تجاوز التصور الكلاسيكي لفهم النصوص ومستويات الحقيقة التي تتضمنه إلى فهم الظواهر الاجتماعية والسلوكات والأحداث التاريخية والإبداعات الفنية والجمالية. هذا التحول الذي شهده فن التأويل ابتدأ مع شلايرماخر الذي اعتبر أن الفهم لا يرتبط بإدراك الحقيقة التي ينطوي عليها تصريح أو تأكيد بقدر ما يبحث عن الشروط الخاصة الكامنة في التعبير الذي بلوره هذا التأكيد أو التصريح. بمعنى أنه يميز بين فهم "محتوى الحقيقة" وفهم "المقاصد". وعليه يميز شلايرماخر بين منهجين في الممارسة التأويلية:

1 - منهج قواعد اللغة (l'interprétation grammaticale) الذي يعالج النص أو أي تعبير كان انطلاقا من لغته الخاصة (لغة إقليمية، تركيب نحوي، شكل أدبي) وتحديد دلالة الكلمات انطلاقا من الجمل التي تركبها ودلالة هذه الجمل على ضوء الأثر في كليته: "التأويل اللغوي هو إذن فن إيجاد المعنى الدقيق لخطاب معين انطلاقا وبمساعدة اللغة"(18).

2 - منهج التأويل النفسي (l'interprétation psychologique) والذي يعتمد على بيوغرافيا المؤلف، حياته الفكرية والعامة والدوافع (motivations) والحوافز الذي دفعته للتعبير والكتابة. فهو يموقع الأثر (= النص) في سياق حياة المؤلف وفي السياق التاريخي الذي ينتمي إليه.

فهم النص أو الأثر بارغانون (Organon) لغوي وتركيبي في سياق بيوغرافي وتاريخي خاص هو أنه يحل المؤول محل المؤلف ويعيش ذهنيا نفس التجارب والأفكار التي كانت سببا في ميلاد هذا النص أو الأثر، ليدرك لحظة انبثاق المعنى وتوجه القصد. يعمل إذن كل من الأورغانون اللغوي والسياق البيوغرافي على إعادة إنتاج المعنى كما بلوره المؤلف نفسه، ومنه يصبح الفهم هو إعادة تأسيس المقاصد الأصلية والأولية لهذا المؤلف على ضوء حياته الفكرية وما أراد قوله والتعبير عنه في أثره ونصوصه. بينما كان مشكل الفهم عند سبينوزا وكلادينيوس هو البحث عن "حقيقة" متوارية خلف النصوص والتعبيرات؛ يصبح عند شلايرماخر "إنتاجا أصليا" للإبداعات الأصليةللمؤلف؛ إعادة تذهّن اللحظة الخلاقة التي فاض عنها المعنى وتوجه فيها الوعي إلى موضوعه. انتقل شلايرماخر إذن من "الحقيقة" إلى "المنهج". يتجاوز دلتاي صرامة المنهج عند شلايرماخر ليركز جهوده على مفهوم "التجربة". فهو يميز بين نوعين من التجربة:

1 - التجربة المعيشة (Erlebnis) التي استعملها في وصف علوم الفكر أو العلوم الإنسانية (Geistes wissenschaften).

2 - التجربة العلمية (Erfahrung) التي تخص علوم الطبيعة (Natur wissenschaften). وهذه التجربة العلمية تتمتع بطابع "العلمية" (scientificité) الذي يجعل من التجربة المعيشة والتجربة الممارسة وجهين لنفس الحقيقة؛ وبطابع الجدلية والتاريخية. فالتجربة في طابعها العلمي تعني تكرار المعطيات والنتائج للوصول إلى تنظير عام ومتفق عليه؛ في طابعها التاريخي-الجدلي هي تجربة لا تتكرر، تنفي كل ما سبقها بحيث لا يمكن معاينة ومعايشة التجارب السابقة بنفس المقاصد والدوافع وتختفي هي الأخرى بخصوصيتها وفرديتها.

لكن الطابع التجريبي للعلوم الإنسانية لا يتجلى في محور تكرار التجارب. فهذه العلوم هي متجذرة في تجارب الممارسات التاريخية؛ إذ المؤرخ أكثر إدراكا لتجربة التاريخ من الذين عاينوا الأحداث التي يتولى دراستها: "لا يقوم المؤرخ في تفكيره [حول الأحداث] سوى بتعميق ما فكر فيه في تجربة الحياة"(19).

فالتجربة المعيشة والممارسة (Erlebnis) تعني ما هو معطى مباشرة للوعي الفردي، فلها بذلك وظيفة معرفية تؤطرها الذات (fonction cognitive). تختلف إذن التجارب المعيشة (Erlebnisse) عن تجريدات العلوم الطبيعية من حيث إنها تطرح موضوعاتها في إطار الإدراك المباشر للوعي: "يحدد مفهوم التجربة المعيشة كلية وحدة التجربة البشرية في مقابل التجريد العلمي. فالتجربة هي، بهذا المعنى، حامل غزارة الإحساسات والانفعالات التي تعتبر أن كل تجربة فردية تخص الفرد بعينه"(20) وهذه التجارب المعيشة هي جملة الممارسات والمقاصد المتوجهة نحو الموضوع المعطى للوعي والتي تنتظم حولها حياة الفرد بحيث لا يعيش هذا الأخير "في" العالم وإنما يعيش "العالم" كعلاقة انتماء جذري. فالفرد يدرك تجربته الخاصة بناءا على نمط إدراكه لحياته في مجموعها وإدراكه لحياته هو تأويل حيوي وفعال للتجارب المعيشة. فيمكن القول إذن إن فلسفة دلتاي التأويلية هي رؤية متميزة لـ"حياة" الفرد ولتجاربه المعيشة. وبالتالي تتطور وتتبلور بنية الفهم الذاتي (فهم الذات) حول التجربة الفردية والتأويل وإعادة التأسيس: فهم الذات = التجربة المعيشة. لكن أين يتموقع فهم الذات ضمن تجربة الآخر؟ أو بأي معنى يمكننا الحديث عن وعي فردي في سياق متعدد ومتنوع التجارب والممارسات؟ وهل فهم الذات يقصي كل انفتاح على تجربة الآخر كمعطى لكل ممارسة تأويلية؟

يواجه دلتاي مشكلة فهم تجربة الآخر باقتراحه لمفهوم "الفكر" أو "الروح" (Geist) كسياق معياري وعام يجمع الأفراد حول حياتهم الخاصة، ومن ثم "تاريخ حياة الفرد لا يتماشى وفق محور عمودي لحياته بل وأيضا وفق محور أفقي يدمج إطاره الاجتماعي والتاريخي"(21).

يكون دلتاي بذلك قد أنزل "الفكر" (في مفهومه الهيغلي) من السماء إلى الأرض ليدل لا على المعرفة المطلقة والمتعالية على التاريخ وإنما على معرفة تاريخية ومتجذرة في تجربة الحياة: فالفن والدين والفلسفة والعلوم والمنطق ليست معارف أو أشكال معرفية مذابة في معرفة مطلقة ومغلقة وإنما هي تجارب حيوية واستعمالات تعبر عن الطابع الخلاق للحياة وتجليات للفكر التاريخي.

حسب "هانس-غيورغ غادامير" (H.G.Gadamer) لم يفلح "فن التأويل الرومانطيقي" كما رسم معالمه شاليرماخر ودلتاي في فحص بنية الفهم ووظيفته التأويلية في ميدان العلوم الإنسانية والممارسات الاجتماعية والتاريخية. فهو يميز بين نوعين من الفهم:

1 - الفهم الجوهري وهو فهم محتوى الحقيقة (التي تنكشف بقراءة النصوص)

2 - الفهم القصدي وهو فهم مقاصد وأهداف المؤلف.

هذا التمييز يفصل بين فهم "أن الكميتين المساويتين لكمية ثالثة متساويتان" وبين فهم الدوافع والأسباب التي تدفع الفرد إلى التعبير عن خاصية التساوي هذه. فالفهم هو إدراك المعطيات النفسية والفردية والتاريخية التي ينطوي عليها التصريح بقضية معينة في مقابل فهم ماهية هذا التصريح أو الفعل أو السلوك في حد ذاته. فما نفهمه ليس هو حقيقة أو دلالة التصريح وإنما الحيثيات والملابسات (ربما المعقدة والمتشعبة) التي سمحت في ظرف خاص وضمن سياق معطى للفرد أن يصرح عن أمر معين. "فالفهم القصدي" هو وسيلة "استراتيجية" يستعان بها في اللحظة التي يخفق فيها "الفهم الجوهري" في إدراك حقيقة ما؛ ويؤطره التساؤل التالي: ماذا كان يقصده هذا الفرد بالذات؟ (ماكس فيبر (Max Weber) يتحدث هو الآخر عن الفهم التنسيقي وهو فهم دلالة العبارة أو السلوك والفهم السياقي وهو إدراك السياق التي قيلت فيه العبارة وبوشر فيه السلوك).

لتوضيح فكرة الفهم (الجوهري/القصدي)، يلجأ غادامير إلى تجربة الفن، كتجربة تتجلى فيها حقيقة الفهم في فهم حقيقة الأثار الفنية على ضوء المقاصد والأطر الفردية والاجتماعية والتاريخية الداخلة في تشكيلها كجملة شروط معقدة ومتعددة الأبعاد. فالأثر الفني (Oeuvre d'art) يدخل في سياقه الاهتمامات الخاصة للأفراد ليحتويها بحذافيرها مثله مثل استراتيجية اللعبة التي تستغرق المهتمين بها وتنسج حولهم عالما جديدا بمعزل عن انشغالاتهم اليومية في حياتهم الخاصة؛ بحيث تصبح اللعبة أو التجربة الفنية كحلم (Rêve) يجتث الأفراد من واقعهم وتجاربهم المعيشة ويدخلهم في متاهات عالم استغرابي (monde aliénant) وهو ما يذهب إليه "شيلر" (Schiller) في نقده لغرائبية اللعبة. يستغرق الوعي إذن في لحظات عالم غريب عن انشغالاته وهمومه ولكنه يتكيف مع قواعده ومعاييره ومقتضياته الخاصة. يتمتع الأثر الفني (اللعبة والنص ينتميان إلى نفس المنطق) إذن بسلطة سحرية تخضع الأفراد إلى نظامها المعياري. لا يصبح الأثر الفني إذن وهما (illusion) أو خداعا أو تشابه (simulacre) وإنما تقييما وإعادة تأسيس حياة الفرد؛ لأن هذا التواصل بين عالم الأثار الفنية وبين عالمه المعيش يكسبه أنماطا جديدة من الرؤية والتدبير. من جانب آخر، عندما يستغرق الأفراد في الأثر الفني، فإنهم لا يقفون موقف المتفرج والمنفعل لأن وجودهم الفعلي أمام الأثر الفني يكسب هذا الأخير بدوره حقيقة وجوده وسلطته المعيارية. فعلاقة الفرد بالأثر الفني هي علاقة "المشاركة" (participation). قد يستقل الأثر الفني عن الأفراد ليؤكد وجوده الخاص دونهم (لكنه يرتد من هذا المنظور إلى مجرد لوحة أو تمثال أو معمار "مادي" يخلو من حيوية التأثير وإثارة الإعجاب في نفوس الأفراد)، لكن، كما يقول غادامير، وجد الكتاب للقراءة ووجدت القطعة الموسيقية للسماع. فالعلة الغائية هي شرط ضروري للوجود الفعلي للأثر الفني الذي يتمثله الأفراد. تنشأ إذن "حلقة شرطية" Cercle conditionnel تمنح للأفراد سلطة تقييم وإضفاء المعنى على الأثر الفني وتمنح لهذا الأخير سلطة إشراك الأفراد ضمن حقيقته المعيارية وكشفه عن حقيقة يعيها هؤلاء الأفراد.

يتجاوز غادامير بذلك الفهم القصدي لتصبح قراءة الأثار الفنية لا تنصب فقط على رؤى ومقاصد المؤلف وإنما أيضا تقيم الأثر من خلال قدرته المعيارية ودوافعه التي تحفز الأفراد على إبداع أنماط حياتية جديدة والانفتاح الحيوي على الأثر. عكس شلايرماخر، ينتقل غادامير من "المنهج" إلى "الحقيقة"؛ لأن علاقة القارئ بالأثر الفني أو الأدبي أو الفلسفي هو علاقته بالحقيقة (Vérité) كانفتاح وانكشاف بالمفهوم الهيدغري الذي يعطيه لكلمة "aletheia": "فهم الأثر الفني هو فهم حقيقته"(22). غير أن هذه الحقيقة لا تنفك عن نمط التجارب المعيشة والممارسة. لا يتعلق الأمر بحقيقة متعالية عابرة للحظات التاريخية، وإنما بحقيقة محايثة لمنطق التجارب والممارسات والمقاصد والأفعال. انخراط الحقيقة في التجربة هو اعتبار الفهم كسماع شاعري لما يمكن أن يقول الأثر أو النص في سياق لحظتنا الراهنة، هو "انصهار الآفاق" (fusion d'horizons)، آفاق المعنى الذي نستخلصه من فهمنا للنص وعلاقة هذا المعنى بوضعيتنا الراهنة: العلاقة الجدلية التي تتأسس بين المعنى المنتج والسياق المستهلك.

لكن بنية الفهم التي يحللها غادامير بإسهاب لا يمكن أن تغفل "ما قبل" الفهم أو الإطار النظري والعملي الذي يتموقع فيه "الافتراض المسبق" (Préjugé). بينما كان هذا الأخير عنصرا مبهما يعيق البداهة في عصر الأنوار، يرتد في الفكر التأويلي الغاداميري، عنصرا فعالا في الفهم التأويلي. فقبل أي تأويل أو رصد للمعنى يحتمله النص أو الأثر، تتشكل هندسة قبلية تضع هذا النص أو الأثر في سياق خاص وضمن منظور معين، تعبر عن السيلان أو التدفق (Flux) اللانهائي للمعاني التي تتجه من الوعي إلى الموضوع (النص/الأثر)؛ والافتراض المسبق يدل على انخراط الوعي في سياق تاريخي ولغوي خاص. فكل فهم أو تأويل يتجه من القارئ إلى المقروء يؤطره عامل اللغة والتاريخ ليس كعائق ابستمولوجي للفهم وإنما كتوجيه منهجي ينير السبيل الذي يسلكه الوعي في رصد موضوعاته: "ففي الواقع، ليس فقط وحدة المعنى المحايث الذي تفترضه العملية الفعلية للفهم: كل فهم لنص ما يفترض أن تكون موجهة من طرف الافتراضات المتعالية والتي ينبغي أن تكون موجهة منها عن الأصل في علاقة أهداف النص بالحقيقة"(23) منطق "الافتراض المسبق" يعتبر أن "قبل" النص هناك نص آخر "نص قبلي" و"قبل" الفهم هناك فهم آخر "فهم قبلي" و"قبل" التأويل هناك تأويل آخر، "تأويل قبلي". وهذه التأسيسات القبلية تعتبر أن المواضيع التي يقصدها الوعي وأن النصوص التي يؤولها القارئ ليست مواضيع أو نصوص مستقلة ومعطيات مطلقة، وإنما هي "آفاق منصهرة" من تأويلات وقراءات آنية تشكلت في الحاضر هنا والآن وأخرى تاسست في الماضي. وعليه ينخرط "التراث" Tradition بكل إمكانياته وكموناته الدلالية والرمزية والتأويلية والتاريخية في آنية الحاضر. تصبح كل قراءة لنص أو أثر فني هي قراءة وتأويلا للتراث، ما دام هذا النص أو هذا الأثر هو نسيج علاقات تأويلية وخطابية مثبتة تشكلت في التاريخ. يتخذ النص أو الأثر بذلك صورة وعاء قد احتوى على تأويلات وخطابات ورؤى ومناهج سابقة ليحتوي أيضا على افتراضاتنا الخاصة وتأويلاتنا وقراءاتنا الراهنة.

نخلص إذن إلى النتائج التالية:

1 - انفتاح النص على الوجود (التاريخي، الإجماعي، الفردي، المعرفي، المعياري).

2 - العلاقة بالنص تؤول إلى الالتقاء بالتراث.

3 - "ما قبل" "التأويل-الفهم-القراءة" و"التأويل-الفهم-القراءة" "الراهن" هي "آفاق منصهرة".

4 - "ما قبل" النص (والمتضمن أيضا في النص) ينصهر مع "النص" في "أفق" (=سياق) متبدل ومتغير. 

Pré-texte                    "ماقبل" النص  

تراث                        tradition

 

Texte                        Contexte

 السياق                       النص

فضلا عن بينة الفهم والافتراضات المسبقة والتقاء النص بالتراث، يطرح غادامير مسألة "الحوار" (dialogue) كبعد أساسي في فاعلية الفهم، على اعتبار أن التساؤلات التي طرحها بشأن مشكل الذاتية في الفهم والاعتباطية في التأويل وسلطة التراث في فهم النصوص ظلت عالقة لأسباب منهجية ومعرفية. فالحوار الذي يثيره ويثريه المشاركون لمعالجة موضوع حديثهم يفترض نسبية الآراء والافتراضات التي تطرح بشأنه؛ وأن المعرفة هي حصص موزعة (مهما اختلفت نسبها وتفاوتت مقاديرها) تنفي إطلاقية الاستنتاجات والأحكام التي يخلص إليها المشاركون: "كل حوار حقيقي يستلزم أننا نميل بالإنصات إلى الآخر ونمنح رأيه اهتماما خاصا ونلج إلى فكره لنفهم لا الفرد في عينه وإنما ما يقوله ويعبر عنه"(24).

الحوار الغاداميري هو حوار سقراطي يقصي التعسفية في الأحكام والاستبداد بالآراء ليرتد إلى "فن اتيكي" هدفه إعادة تقييم الأفكار والاعتقادات في ضوء التحام الآراء والافتراضات على سبيل الفحص والمجاوزة: "الفهم" هو قبل كل شيء "تفاهم" (entente). وعليه يصبح "الإجماع" (consensus) ضربا من ضروب الفهم التأويلي كتجربة وتمرن (apprentissage)؛ حلقة أخرى تضاف إلى حلقات التراث.

ج - المعنى/الفهم: بين الفينومينولوجيا وفن التأويل.

ترتبط الفينومينولوجيا بفن التأويل عضويا ووظيفيا مثلما يرتبط الأنثروبولوجي بالأنطولوجي والمنطقي بالشاعري. نحاول في هذه الفقرة التطرق إلى الحقول المعرفية والمنهجية التي تشترك فيها الفينومينولوجيا وفن التأويل ومن خلال المفاهيم التي يلتقي فيها هذان المنهجان أو هاتان الفلسفتان بالأنطولوجيا والميتافيزيقا عموما.

1 - الأصل والعودة إلى الأشياء: الفكر الفينومينولوجي هو فكر النشوء وإضفاء الصور، كما أنه فكر التأسيس (Ursprung) الذي يعبر عن العودة "إلى الشيء نفسه" (La chose elle-même) إلى ماهيته وجوهره. والبحث عن الأصل (Ursprung) هو أن يكون الوعي "مندفعا نحو.." أو مندفعا إلى الأمام نحو…" (être pro-jeté)، وهذا الاندفاع نحو (Pro-jet) هو جملة الكمونات والممكنات التي تنكشف للوجود في الحاضر ولا تنكشف هنا والآن إلا على ضوء التحديدات التي تلقتها في ماضيها: يتحدد اللاحق بما حدد في السابق. يقول غادامير: "ينبغي لفن التأويل أن ينطلق من مسألة أن الفهم هو الوجود في علاقة مع الشيء نفسه الذي يظهر عبر ومع التراث أين يمكن "للشيء" الاتصال بي"(25). فلا يمكن إدراك "الشيء نفسه" أو ماهية الشيء كما هو معطى للوعي الخالص إلا في عنصر "التراث"، ضمن سياق محدد. يصبح هنا التراث "القبلي" (a priori) الضروري لانكشاف الشيء نفسه كماهية يدركها الوعي؛ وبالتالي تنعكس المسألة في الفكر الفينومينولوجي والتأويلي من فهم الوجود إلى كينونة الفهم، الفهم كوجود في علاقة مع الشيء نفسه: "المسألة الرئيسية في "الوجود والزمان" ليست هي "كيف نفهم الوجود" (Comprendre l'être) وإنما "كيف نفهم، هو الوجود على نحو ما" (comprendre, c'est être)"(26) نمط الوجود هذا يحدد الكائن "كاندفاع نحو" (pro-jeter) أو كمشروع (projet) ملقى في العالم على حد تعبير هايدغر (Heidegger). من هنا كان مفهوم الوجود هو الانبثاق أو "الصدور عن" (عن الواحد عند أفلوطين، عن الممكن عند ليبنتز، عن العدم عند هيدغر): "الوجود سيكون نوعا من الانفصال ومن الانشقاق ومن الجرح من خلاله ينفصل شيئا ما عن الوحدة أو عن الممكن أو عن العدم"(27)؛ ولحظة الانبثاق أو الانفصال هي لحظة تجزيء أو تقطيع كلية الكائن إلى لحظات زمنية كتجارب معيشة في الحاضر الحي (Le présent vivant)؛ ومن ثم ينخرط هذا الكائن في نظام "الزمانية" (La temporalité) الذي يجزئ ويرتب التجارب المعيشة ضمن سيلان (flux) زماني مستمر. بتعبير آخر، ليست التجارب المعيشة للكائن سوى لحظات أو فترات تحول الزمن (le temps) كبنية للتفكير (noèse) إلى زمانية (temporalité) كوظيفة تجزيئية لهذا التفكير (noème).

2 - التجربة المعيشة في صلب الحاضر الحي: لا يمكن اعتبار الحاضر كزمان آني يختلف عن الماضي (كزمان يمكن استحضاره ذهنيا anamnestic) وعن المستقبل (كزمان يمكن التنبؤ به pronostic على غرار ماهية "النفس الممتدة" Distention animi عند أغسطين Augustin؛ بل هو سيلان لا نهائي وتدفق دائم للحظات التجارب المعيشة المنخرطة في نظام الزمانية، يجعل الوعي يتصل اتصالا مباشرا بموضوعه "هنا" و"الآن" hic et nunc ويدرك ذاته كوعي خالص. وقد تقدم لنا تبيان أهمية "الحياة" (Leben) كمفهوم إجرائي يوظفه دلتاي في فهم الذات. تنشأ بذلك حلقة الفهم (cercle de compréhension) بين الحياة والذات على اعتبار أن هذه الأخيرة تدرك تجاربها المعيشة وممارساتها الخاصة بناءا على إدراكها لحياتها كوحدة وبنية متناسقة الأبعاد ومرتبطة الأجزاء وتدرك شمولية هذه الحياة على ضوء التجارب المعيشة كلحظات تجزيئية وترتيبية في عمق سيلان وتدفق الحاضر الحي.باختصار: الحياة تنشط الوجود والوجود يؤكد الحياة. فلا تنفصل أنماط الوجود باي وجه من الوجوه عن طاقة الحياة، أو بتعبير نيتشه إبداعات أنماط الوجود لا تنفك عن إرادة القوة الكامنة في عنصر الحياة(28).

3 - فهم الذات وتجربة "الآخر": كل إدراك للآخر لا بد أن يمر بتجربة "الجسد". هذه القاعدة الفينومينولوجية تجعل من تجربة الحياة في صورتها الواقعية شرط إمكان لمختلف التجارب المعيشة والممارسات لأن "كل معرفة تبتدئ بالتجربة"(29) ولأن "الجسد" ايضا هو المساحة الطوبولوجية (topologie) والأنطولوجية (Ontologie) التي تتحرك فيها وتنتقل عبرها جملة التجارب المعيشة والممارسات والسلوكات. ليس فقط لأن الجسد الحامل للإدراك الحسي عبر الأعضاء التي تتصل اتصالا مباشرا بالعالم الخارجي بل ولأنه يحمل أيضا إدراكا حدسيا يجعل الوعي الخالص والمتعالي يدرك موضوعه مباشرة. لا يستغني الوعي عما يفيده به الإدراك الحسي من إحساسات وانطباعات حسية ولكنه يستقل بتعاليه وإدراكه الحدسي في فهم أشياء العالم عبر القصدية المتضمنة فيه عند هسرل أو عبر اندفاعه الأنطولوجي "نحو" موضوعه (pro-jeté) عند هيدغر. لكن يبقى الجسد مع ذلك هو المبدأ والمسار لأنه الموضوع أو الظاهرة -الموجودة في العالم- والمتصلة والمرتبطة بالمواضيع والظواهر الأخرى. الإحساسات والانطباعات والعواطف والهيجانات والآلام واللذات كلها تجارب تخترق الجسد وتتموقع على هامشه في نقطة اتصاله بالأشياء وانفتاحه على العالم. هكذا تدرك الأجساد والذوات بعضها البعض بحكم انتمائها إلى عالم مشترك معطى لمجموع هطه الإدراكات كتجارب معاشة. والإدراك الموضوعي لهذا العالم تحدده ماهية التواصل الذاتي "intersubjectivité". يتحدث هيدغر بدوره عن نمط وجود "الكائن-في-العالم" (Dasein) المتجذر في الزمان كإمكانيات وكمونات محتفظة ومحددة بالمعنى الذي رايناه سابقا، لكنه كائن منفتح على الآخر أو بالأحرى "كائن-مع-الآخر" (Mitsein)، تجمعهما تقاسم الانشغالات والهموم إزاء نفس العالم اللذان ينتميان إليه: فهناك انهمام بالذات واهتمام بالآخر. في تحليله وتعميقه لبنية ووظيفة الفهم، يعتبر غادامير هذا الأخير كمشاركة يتأكد ويتعزز بفاعلية الحوار (Dialogue)، لأن الفهم تفاهم وفن اتيكي يعيد النظر في منطق التجارب والممارسات قصد تقييمها وتمحيصها. والتفاهم (entente) يعكس جملة الانتظارات (attentes) التي تميز مختلف الأفراد: "جوانية" الانتظار (attente) تستلزم التفاهم (entente) كلحظة من لحظات يتجاوز فيه الـDasein عالمه وحدوده ليرتبط بالـMitsein ويتآلف مع الآخر.

 

الهوامش:

1 - وليس من باب الصدفة إذا كان المعنى الاشتقاقي لكلمة (phénomène) هو كل ما هو مرئي نابع عن وميض النور:

Gr.phanomenon.substantivt

phainesthai, être visible, dérivé de phôs, photos, lumière.

cf. Paul Foulquier, Dictionnaire de la langue philosophique, Paris, Presses Universitaire de France, 6ème édition, 1992, p.535.

2 - E.Husserl, philosophie comme science rigoureuse, trad.Lauer, p.69.

3 - M.Merleau-Ponty, Sens et non-sens, pp.54-55.

4 - F.Hegel, Logik, éd. Lasson, t.I, p.29.

5 - من قييل هذه المساؤلات والدراسات، العمل الذي قام به المفكر الرياضي الفرنسي "رنيه توم" (R.Thom) في ميدان الرياضيات وتطبيقه على البيولوجيا وتأسيسه لما يسمى "بنظرية الانفصالات الكبرى" أو "نظرية الكوارث" (la théorie des catastrophes).

Cf.R.Thom, modèles mathématiques de la morphogenèse, Paris, Union générale dédition, 1974.

R.Thom, Paraboles et catastrophes, Flammarion, 1983.

وعمل ضمن وحدة بحث تقدم به كاتب هذا المقال بعنوان: حدود القوانين الفيزيائية: توم ونظرية الانفصالات الكبرى".

6 - Husserl, Recherches logiques, II, 2ème partie, PUF, p.169.

7 - cf.Husserl, Méditations cartésiennes, I, p.14.

8 - J.F; Lyotard, La phénoménologie, Paris, PUF, p.54.

9 - Mikel Dufrenne, la notion dapriori, Paris, PUF, 1959, p.159.

10 - cf.Husserl, idées directrices pour une phénoménologie, Paris, Gallimard, 1950, pp.160-164.

11 - Lavelle, Leçpn inaugurale faite au collège de France, le 2 Décembre 1941, p.43.

12 - F.Schleidrmacher, Herméneutique, Labor et Fides, 1987, p.104.

13 - مطاع صفدي، استراتيجية التسمية، في نظام الأنظمة المعرفية، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، ط1، 1986، ص ص224-225، ويقول جون ستاروبنسكي "واعتبر فن التأويل كتقنية الرجوع إلى المعنى الأول والخالص…":

cf.Jean Starobinski, avant propos, in F.Schleiermacher, Herméneutique, trad. et introd. De Marianna Simon, Labor et Fides, 1987, p.7.

14 - ابن منظور، لسان العرب المحيط، مصدر "أول"، الجزء الحادي عشر، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ص32.

15 - محمد شوقي الزين، فن التأويل: المشكل المنهجي والإبستمولوجي لدلالة "الفهم" في: "النقد والتأويل "في مواجهة" الحفريات والتفكيك، نص مداخلة ألقيت بقصر الثقافة والفنون بوهران (الجزائر) يوم 17 يوليو 1996، ص6.

16 - FA.Wolf, Enzyclopädie der philologie, éd. S.M.Stockmann, Leipzig, 1831, p.164.

17 - Dilthey, Le Monde de lEsprit, I, p.150.

18 - Schleiermacher, Herméneutique, ibid, p.77.

19 - Hans-Georg Gadamer, Wahrheit und Methode, Tübingen: J.C.B.Mohr, 1975, p.337.

20 - G.Warnke, Gadamer, Hermeneutics, Trandition and Reason, Polity Press-Basil Blackwell Ltd, 1987, p.47.

21 - Warnke, Gadamer, ibid, p.50.

22 - Warnke, Ibid, p.91.

23 - غادامير، مدخل إلى أسس فن التأويل، ترجمة محمد شوقي الزين، ص18 من المخطوط.

24 - Gadamer, Wahrkeit, ibid, p.363.

25 - غادامير، مدخل إلى أسس فن التأويل، ص19.

26 - Gadamer, Zur Problematik des Selbstverständnisses, in Kleine Schriften, vol.1, p.74.

27 - J.Wahl, traité de métaphysique, p.558.

28 - F.Nietzsche, la volonté de puissance, trad.Genevieve Bianquis, Paris, Gallimard, N.R.F, 1969.

29 - Husserl, Recherches Logiques, I, trad. H.Elie, Paris, PUF, p.81.




محمد شوقي الزين :


باحث وأكاديمي جزائري، حاصل على دكتوراه في الدراسات العربية الإسلامية، تخصص فلسفة وتصوف، جامعة بروفونس. وحاصل على دكتوراه ثانية في الفلسفة حول المفكر الفرنسي ميشال دوسارتو، جامعة آكس-مرسيليا. من مؤلفاته: "تأويلات وتفكيكات" (2002)، "سياسة العقل" (2005)، "الثقاف في الأزمنة العجاف" (2013). وله أيضا ترجمات، منها: "فلسفة التأويل" لـ غادامير، و"ابتكار الحياة اليومي" لميشيل دوسارتو. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق